ترجمة - كريم المالكي:

الرغبة الحقيقية في الاستكشاف تمنح صاحبها قدرة هائلة على تحقيق المستحيل، وذلك كان هو المحرك لدواخل فتاة بريطانية شابة في ركوب المغامرة ولبلوغ أهداف لم تتخيلها، فلم تكمن قدرات سارة أوتن في تجنب المخاطرة وتفادي الموت بسفن الحاويات العملاقة فقط أو مواجهة العواصف العنيفة لأنها تبحر في رحلة غير عادية حول العالم، بل تكمن في قدرتها على التحمل وقهر الصعاب وعدم الخوف من المجهول، وحتى لو كانت سارة قد اضطرت إلى الاستسلام لضغوط ما بعد الصدمة لكثرة ما تعرضت له من مخاطر ومشاكل ومطبات في رحلتها، فإنها عادت من جديد للشروع في مغامرة جديدة و استكمال ما بدأته.

تعتقد سارة وهي رياضية ومغامرة، أن الاندماج مع الطبيعة أو عشق الحياة البرية، أحد متع الحياة العظيمة وهي شخصيا تميل كل الميل إلى أن تأخذ هذه الكلمات إلى أبعد مدى. وعلى مدى السنوات القليلة الماضية، تكونت لديها الكثير من الخبرة. وقبل أيام عادت مكللة بالغار، حيث كانت تجدف تحت جسر البرج في لندن، مستكملة دورانها حول الكرة الأرضية الذي بدأته منذ 4 سنوات ونصف برحلة استمرت 1677 يوماً بوصولها إلى نفس المكان الذي انطلقت منه.

أمضت سارة أكثر من ألف يوم تجديفا في البحار المفتوحة أو ركوب الدراجة وهي تطوف العالم، واضطرت للتخلي عن الرحلة مرتين عندما تعرضت لعاصفة استوائية وإعصار، وكذلك عندما تعرضت إلى صدمة نفسية شديدة لم تتعاف منها نهائيا.

قصة استثنائية

التقت صحيفة الصنداي تايمز سارة في منزلها، المبني حديثا من القرميد الأحمر في أوكسفورد شاير وأجرت معها حوارا بعد أن عبرت خط نهاية رحلتها قبل عشرة أيام تقريبا. لقد كانت سارة سريعة في الإشارة إلى أنها حالة نادرة في مجال يسيطر عليها الذكور. وكانت على حق، فبينما يكرم المستكشفون الذكور عن انتصارات بدنية- علما أن المعركة مع الطبيعة هي معركة رجل- فلا نسمع سوى القليل عن مغامرات من الإناث. وفي الحقيقة أن قصة سارة استثنائية ولافتة للنظر لأنها تجمع بين الاثنين.

اكتشفت سارة، التي درست في مدرسة ستامفورد الثانوية، التجديف في البحار وهي في بداية العشرينيات، وذلك قبل وفاة والدها، الطيار في سلاح الجو الملكي البريطاني، الذي عانى من التهاب المفاصل الروماتويدي الحاد وتسبب بإخراجه من القوات الجوية عندما كانت في الحادية عشرة من العمر. وتقول سارة: أستطيع أن أرى بعد فوات الأوان حالته النفسية السيئة، لقد قضى الأشهر 18 الأخيرة من حياته مقيدا إلى كرسيه المتحرك" .

الأصغر والمرأة الوحيدة

وتوفي والدها عندما كانت تدرس علم الأحياء في كلية سانت هيو، في جامعة أكسفورد. ومن خلال البحث عن طريقة للخروج من هذا الدمار الشديد الذي أصابها لفقدان شخص تحبه جدا فجأة، وهو ما سبب لها اكتئابا، قررت سارة أن تجدف المحيط الهندي وحدها. وفي منتصف الرحلة التي أصبحت بسببها سارة أصغر شخص والمرأة الوحيدة التي تقوم بذلك، تخلت عن خططها لتصبح معلمة واختارت الإذعان لقلبها للانطلاق في رحلة محفوفة بالمخاطر حول العالم.

بدأت بالتجديف في رحلتها من لندن وحتى فرنسا، ثم تركت البحر وركبت دراجتها الهوائية لتسير بها 11 ألف ميل عبر أوروبا وروسيا وآسيا قبل أن تبحر مرة أخرى للصين، وكادت سارة أن تعبر المحيط الهادي بمفردها إلا أن عاصفة بسرعة 80 ميلاً في الساعة كادت أن تتسبب في هلاكها، وقد ربطت نفسها في قاربها وانتظرت في المحيط ثلاثة أيام حتى جاءها الإنقاذ. وقالت سارة إنها شعرت بالخوف الشديد وبدأت بالبكاء واضطرت للانتظار بلا حول ولا قوة حتى أنقذتها إحدى السفن.

في أعماق الطبيعة

تصف الرحلة التي أخذتها إلى جميع أنحاء الصين وروسيا والمحيط الهادئ بأنها "حلقة" وتشبهها "بدروس في الجغرافيا وعلم الأحياء في وقت واحد" . وتقول أن ميزة السفر "ببطء وبهدوء" أنه يمنحك مفهوما جديدا وهو أن "الحياة البرية والطبيعة التي تهتم بها ستكون أنت في أعماقها" ، فقد انضمت إلى سارة الدلافين، والسلاحف الجلدية الظهر، وحيتان العنبر، كما فاجأها الدب الذي مشى بمسافة قريبة جدا منها حينما كانت تغتسل في بحيرة.

واكتشفت أنها لم تتخيل نوبات البحر وهيجانه، فضلا عن قضاء مئات الأيام في مقصورة بحجم الخزانة وبمساحة صغيرة لا تسمح حتى بتحريك الأقدام. وكانت تربط نفسها بقوة أثناء العواصف فتقول: لا يمكن أن تأكل أو تشرب كثيرا لأن عليك أن تتبول أو تستخدم الدلو وهذا مثير للاشمئزاز. وفي واحدة من موجات الطقس السيئة حبست نفسها في الكابينة لمدة 10 أيام، وكانت تشغل نفسها بسماع الموسيقى من خلال "آي باد" .

اكتئاب ومغامرة جديدة

كانت هناك تعقيدات لا نهاية لها، وذات مرة سقطت الدفة، وكادت سفينة حاويات أن تمر فوق قاربها تقريبا. ولكن قرارها في محاولة التخلص من عاصفة استوائية قبالة اليابان هو الأسوأ لأنه كاد أن ينتهي تقريبا بكارثة. ولا تزال سارة تجد صعوبة بالحديث عن المخاطر، لأنها ترى بأنها أولا في حاجة إلى استعادة نفسها بالشعور بأنها واقفة على الأرض.

وترى سارة أن أي شخص يتوق لهذا النوع من المغامرة عادة ما يكون زاده الروحي حوافز تلهمه وثقة بالنفس، ولكن سارة وعلى الرغم من قوتها البدنية فهي روح لطيفة وهشة تقريبا. وبعد أن نجت من العاصفة، عادت سارة إلى لندن لجمع الأموال لقارب جديد، لكنها سرعان ما غرقت باكتئاب عميق" كان نتيجة لمشاعر ما بعد الصدمة. وتقول سارة: لقد عملت مع طبيب نفساني حتى لا تهيمن الصدمة على حياتي.

ومن ثم بدأت "بمغامرة جديدة كاملة" عندما التقت خطيبها في حفلة. لقد لعبت العلاقة دورا كبيرا في عودتها إلى اليابان، وبعد تسعة أشهر من إنقاذها، عادت لتواجه نفس المحيط مرة أخرى، لكنها عبرت هذه المرة بنجاح.

المغامرة للذكور والإناث

كانت سارة طفلة مغامرة منذ الصغر ولا تفهم لماذا يقلق المعلمون حينما تريد الفتاة ركوب المغامرة، وكانت الفتاة الوحيدة في نادي المغامرة. وحتى سن المراهقة، لم يكن لديها أي نوع من الإناث كنموذج تحتذى به باستثناء البحارة إلين ماك آرثر التي أبحرت حول العالم. ولا تزال سارة تواجه مثل هذه المواقف. فمثلا أن صبيا عمره 12 عاما أخبرها بأن هذه المغامرات مقتصرة على الذكور، وتقول سارة أعتقد أن هذه الرسالة التي أشبع بها عقله سمعها أطفال كثيرون.

إن العديد من نظرائها الرجال تقام عنهم برامج تلفزيونية في حين تبقى الرغبة في العمل مع فتاة في أجواء مغامرة عنيفة غير مرغوبة. وبسبب هذه المواقف، فإنها تعتقد، أن النساء يجدن صعوبة أكثر من الرجال في الحصول على جهات راعية لرحلاتهن ومغامراتهن، وإذا نُظر إلى الأرقام، لاحِظوا أعداد الذكور مقابل الإناث، تجدون وسيلة النساء في تسويق أنفسهن أفضل لكن الشركات تذهب إلى الرجال.

حصلت على ما لم يحصل عليه الآخرون

وبصرف النظر عن المجهودات التي تبذلها سارة في تطوافها حول العالم وعما إذا شعرت بالوحدة في وقت ما خلال ترحالها، تقول بأنها عندما تم إنقاذها من قبل سفينة شحن من مسار الإعصار واضطرت إلى ترك قاربها، تقول: وقفت على سطح السفينة محاطة بطاقمها الذي أنقذني ونظرت إلى من حولي وفكرت وقلت: هؤلاء الناس لم يحصلوا على ما حصلت عليه.

وحتى مجرد التفكير بقارب التجديف 21 قدما، الذي أمضت فيه الجزء الأفضل من السنة وهي على متنه، جعلها تشعر بتلك النشوة التي بانت على شفتها. لقد أثبت لها الأطلسي أنه العقبة الأخيرة التي أمامها. ومرة أخرى عانت من مشاكل في رحلتها حيث الظروف الجوية السيئة والصعوبات التقنية. إضافة إلى الفراغ الكبير لأنها خسرت شاحن الآي فون الذي تعرض للكسر واضطرت إلى تقنين وقتها عند سماع الموسيقى.

وحدي عبر المحيط

وقد أجبرها إعصار خواكين على التخلي عن المحطة الأخيرة من رحلتها والعودة إلى المملكة المتحدة، وهو ما جعلها تخسر 1000 ميل من المحيط الأطلسي. وتقول سارة : لقد مرت عليّ لحظات اعتقدت فيها بأنني سأموت لا محالة ولن أكمل الرحلة حتى النهاية، لكنني كنت في داخلي مصرة على استكمالها. وقد يفترض الناس بأنه يجب أن أحصل الآن على قارب جديد لأعود إلى أمريكا، ولكني حاليا في مرحلة لا أريد أن أكون فيها بعيدة لمدة عام آخر، ولدي فرصة مذهلة للهدوء بعد كل ذلك، بذلت قصارى جهدي، وتعاملت باحترام كبير مع الطبيعة وأنا أقدر ذلك.

وتختتم سارة التي صدر لها أول كتاب"في عتمة المحيط : مُجدفة وحدي عبر المحيط الهندي" في 7 فبراير 2011 والذي حقق مبيعات كبيرة حول العالم حديثها بالقول: لا أستطيع أن أتخيل رجلا يمتلك نفس استجابتي للطبيعة.

 

عن صحيفة الصندي تايمز البريطانية