تقول صاحبة هذه القصة:

الأمر الطبيعي أن الآباء والأمّهات يحبون أبناءهم مهما كانت طبيعتهم وفي جميع حالاتهم، وإغداق الرحمة والشفقة والمحبة والحنان، خاصة إذا كان أحد أبنائهم مريضاً ومعاقاً.

أما والداي عكس ذلك تماماً، فتغلبت عليهما الأنانية والرغبة في الظهور الاجتماعي على مصلحة ابنة معاقة لا حول لها ولا قوة.

فتلك الابنة هي أنا، فقد ولدت بإعاقة جسمية لا أستطيع المشي ونظر ضعيف جداً، هكذا أخبرهما الأطباء، فسخطا من إعاقتي، ولم يدريا أنهما يسخطان على قضاء الله وقدره وأن هذا الابتلاء امتحان واختبار لهما وليس انتقاصاً من قيمتهما.

أنا الابنة الوسطى بين أربعة إخوة، فوالدي ووالدتي يحتلان منصباً هاماً في العمل، خاصة أن والدتي تعبت سنوات حتى وصلت إلى مركزها في سن مبكرة تقريباً عن قريناتها، لتفاجأ أن لديها طفلة تعاني على عكس إخوتها من إعاقة واضحة، عزاها الأطباء في حينها لتناولي بعض الأدوية المضادة لالتهابات المفاصل، فكان قرارها أنها اعتبرت أنني غير موجودة، وأيّدها والدي في قرارها مجبراً، وجلبت لي خادمة للاعتناء بي فكانت أرحم منهما، واستمرت هي في مسيرة نجاحها مع باقي أبنائها، تقدمهم للمجتمع في الحفلات والمناسبات، وتخرج بهم إلى المتنزهات والمجمعات والسفر بهدف السياحة، وتواريت حتى نسيني الجميع، فكان والدي يشفق عليّ أحياناً، ويقول لي: اعذريني وسامحيني يا ابنتي، فالوجاهة الاجتماعية تحتم عليّ فرض العزلة عليك وسجنك داخل البيت كإقامة جبرية لا يراك أحد، وأمك لا تريد تحطيم تلك الواجهة اللامعة والتي تعبت سنوات في بنائها، ويمسح دموعي الساخنة ويخرج متأثراً، بينما أمي لا تكلف خاطرها بالجلوس معي أو الحديث معي ولو لدقائق يا إلهي، أي نوع من الأمّهات أمّي، أما إخوتي فنادراً ما يجلسون معي، سمعت عمتي تقول لها ذات يوم، حرام عليك أن تفعلي هذا بابنتك، فأجابتها أمي غاضبة بألا تتدخل في الأمر، ثمّ أخذت تفسر ذلك بالخوف على مركزها، وأن لديها أبناء غيرها، فهي تخجل أن يقول الناس إن لديها ابنة معاقة يعيرونها بها، وينتقص ذلك من مكانتها التي تعبت في الوصول إليها.

ظللت على هذا الحال حتى مضى بي قطار العمر، حتى أصبحت الآن في السادسة والعشرين فيما شقّ كل من إخوتي طريقهم، وأصبحت لهم حياتهم المستقلة، وأمضي أيامي حبيسة غرفتي لا أفارقها إلا نادراً لا أتعدى الصالة، أما الحوش فمحرّم علي، أقضي أيامي وحياتي في حزن وبكاء، لا أحد يشعر بي وبمعاناتي سوى الله وحده، أشكو إليه بثي وحزني فهو أرحم الراحمين.

لو كان والداي اهتما بي على المستوى العاطفي، والدراسي لكنت الآن فرداً نافعاً في المجتمع، ولم تمنعني إعاقتي بتقديم ما أستطيع فعله، لكنهما أهملاني واعتبراني شخصاً غير موجود.

هل أظلّ هكذا حتى أرحل عن هذه الدنيا إلى جوار ربّ رحيم، ويعتبر هذا يأساً أم أنني أكسر هذه القيود المكبلة وأخرج من تلك الإقامة الجبرية التي فرضاها والداي علي..؟ لكن كيف.." فوالله إن في قلبي غصة، وفي جنباتي ألماً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، أعيش المعاناة التي لا يعلم حجمها سوى الله وحده. أرجو منك أن تكتبي عنوان قصتي "معاناة معاقة".