برشلونة - أ ف ب: لم يجد المهاجرون غير الشرعيين الجنة التي كانوا يحلمون بها عندما نجحوا في الوصول إلى إسبانيا البلد الأوروبي الذي يواجه مع بلدان القارة الأخرى معضلة الهجرة وتعجز الحكومات عن التوصل لاتفاق لاستيعاب الأعداد التي تجتاز حدود أوروبا وتوزيعها بشكل عادل، يواجه المهاجرون مآسي واستغلال ومعاناة شديدة في الحصول على عمل وإذا وجدوا عملاً فإنه يكون في ظروف صعبة وبأجر زهيد.

ويروي فرانسيس كاشمبا وهو من أوغندا أنه يحصل على 10 يورو مقابل 14 ساعة عمل، ويقول: أشعر كأنني طفل صغير لا أستطيع أن أفعل شيئاً، لا أستطيع أن أقرر مستقبلي، لو كانت لدي أوراقي لكنت حصلت على عمل وأنفقت على نفسي، ولكن ليس بوسعي الآن سوى الصلاة. ويعيش كاشمبا مع 30 مهاجراً آخرين في مدرسة مهجورة في وسط برشلونة احتلوها منذ منتصف أبريل احتجاجاً على قوانين الإقامة الإسبانية المشدّدة، رغم الخطوات التي اتخذتها البلاد مؤخراً للترحيب بالمهاجرين. الشهر الماضي سمحت السلطات الإسبانية للسفينة «اكواريوس» التابعة لمنظمة أهلية فرنسية، كانت تقل 630 مهاجراً بالرسو في ميناء بلنسية شرق البلاد، وكانت إيطاليا ومالطا رفضتا استقبال السفينة ما أدى إلى استياء دولي.

وقد رست السفينة «اوبن ارمز» (الأذرع المفتوحة) في برشلونة وعلى متنها 60 مهاجراً آخرين بعد أن حصلت على الضوء الأخضر من الحكومة الاشتراكية الإسبانية الجديدة، ولكن عندما يترك هؤلاء وراءهم الصعوبات التي اضطرتهم إلى مغادرة بلادهم والتوجه إلى أوروبا، ينتظرهم شكل من أشكال المعاناة، بحسب هؤلاء المهاجرين الذين يعيشون في المدرسة المهجورة.

يقول كاشمبا: أشعر بأنني قد خُدعت، قالوا لي إن أوروبا تشبه الفردوس، ولكن الحياة الواقعية في إسبانيا بحسب ما شاهدت في هذه الأشهر السبعة، ليست جيدة مطلقاً.

مبالغ زهيدة

سافر كاشمبا جواً إلى برشلونة في ديسمبر ودخلها بتأشيرة سياحية، وترك زوجته وابنيه وعمله الصغير في التنقيب عن الذهب، على أمل أن يكسب ما يكفي من النقود لشراء معدات تعدين، لكن في إسبانيا، التي تعاني من ثاني أعلى نسبة بطالة في منطقة اليورو، فإن العثور على عمل هو أمر مستحيل لمهاجر ليس لديه الأوراق الثبوتية المطلوبة، وطوال شهرين، عمل في ورشة نجارة حيث كان يعمل 14 ساعة يومياً مقابل الحصول على مكان للنوم وراتب يومي قدره 10 يورو (11,6 دولار) يصرف نصفها على الطعام، وبعد ذلك حاول العثور على العمل بأجر يومي حيث ينتظر كل يوم مع عشرات المهاجرين في نفس المكان ليعرض عليه الناس أعمالاً صغيرة في البناء أو تحميل أو تنزيل البضائع، وعادة ما يكون ذلك لقاء أجر صغير. تقول نورما فالكوني الإكوادورية التي تعيش في إسبانيا منذ 25 عاماً وتساعد القاطنين في مدرسة ماسانا:

إن عدم امتلاك الأوراق الضرورية يجعل آلاف المهاجرين يعيشون في حالة من عدم الأمان وعرضة للعمل في السوق السوداء.

طلب بعيد المنال

بحسب منظمة «اس او اس راسيسمو» فإن المهاجرين غير الشرعيين يمثلون نحو 10% من 4,5 مليون أجنبي يعيشون في إسبانيا، أي حوالي 450 ألفاً، وبموجب القانون الحالي يستطيعون الحصول على ترخيص بعد ثلاث سنوات من الإقامة في إسبانيا ولكن فقط إذا كانوا يملكون عقداً بالعمل بدوام كامل لمدة 12 شهراً على الأقل، وذلك صعب حتى على أي إسباني شاب تخرّج حديثاً، ناهيك عن المهاجرين غير الشرعيين الذي يجب على من يوظفهم أن يدفع لهم راتباً ورسوم الضمان الاجتماعي لكي تكون وظيفتهم قانونية.

لامين سار الذي يعمل بائعاً جوّالاً يعلم ذلك جيداً، ويقول سار (35 عاماً) وهو من السنغال: أنا هنا منذ 12 عاماً، حياتي هنا ولن أغادر، ولكنهم لا يسمحون لي بالعيش بشكل طبيعي.

هناك عشرات المهاجرين مثله، معظمهم من دول إفريقيا جنوب الصحراء يملؤون شوارع برشلونة السياحية ويبيعون النظارات الشمسية والحقائب والأحزمة التي يصفونها على قطعة قماش بيضاء على الأرض، وهم على أهبة الاستعداد لجمع أغراضهم بسرعة والفرار من وجه الشرطة، لأنه في حالة القبض عليهم فإنهم يواجهون دفع غرامة ويمكن أن يخسروا السلع والمال.

يقول سار: نحن مطاردون مثل المجرمين، وضعي غير شرعي لكنني لن أسرق أو أبيع المخدرات، ليس لدي سوى قطعة القماش وإذا لم يرغبوا في منحي الأوراق فهذه هي الطريقة الوحيدة لكي أبقى على قيد الحياة.

ورغم الوضع الخطر فإن كاشمبا لايزال متفائلاً، ويقول: لا نعلم ما سيحدث في المستقبل. ليس لدي عمل ولكنني أقابل الناس وأتعلم لأكون مستعداً عندما أحصل على الأوراق الرسمية.