درويش: ضرورة محاسبة رموز النظام على جرائمهم

منعم حلانه: شاهدت الموت بعيني

برلين - الراية : عندما سمعت الشابة السورية عبير فرهود أن اسمها مدرج على قائمة المطلوبين للمخابرات السورية، سارعت إلى قصّ شعرها بطريقة عبثيّة، وقالت وهي تستعيد الذكريات المؤلمة حول اعتقالها من قبل النظام السوري: فعلت ذلك لأنني أردت أن أظهر أمامهم قبيحة المنظر، لأنني كنت أعرف أن عناصر الأمن يعتدون على النساء داخل السجون.

وتُعتبر عبير البالغة من العمر 30 سنة، واحدة من سبعة شهود، أكدوا استعدادهم للإدلاء بشهاداتهم حول ما تعرضوا له من تعذيب وانتهاكات لأبسط حقوقهم المدنية، أمام المدعي العام الألماني، وتقديم صورة حقيقية له عن معاناتهم في سجن "عدرا"، وفي مركز الاحتجاز 215 التابع للمخابرات العسكرية في دمشق.

وكانت عبير قد أدلت بشهادتها مع الشهود الستة الآخرين إلى محامين ألمان وسوريين، الذين قاموا بتحريرها وجمعها في دعوى رفعوها إلى بيتر فرانك، المدعي الألماني العام في مقره بمدينة "كارلسروه" جنوب ألمانيا، في خطوة هامة لمحاسبة رموز نظام الدكتاتور السوري بشار الأسد على جرائمهم.

عبير وزواجها ضحايا النظام

وقالت عبير إنها عند اعتقالها في ديسمبر 2022 اضطرت تحت التهديد لخلع ثيابها أمام المشرف على السجن.

وكشفت عن سبب عدم تعرضها للضرب، أن أحد الضباط رغب بالزواج منها لكنها رفضت، وتم الإفراج عنها لاحقاً بعد أن دفعت أسرتها مبلغاً كبيراً من المال.

وتعيش عبير منذ عام 2015 في ألمانيا مع زوجها خالد رواس الذي تعرض بدوره للتعذيب خلال وجوده في سجن الاحتجاز 215، مثل الضرب بواسطة العصي الغليظة والإجبار على الركوع ورؤية تعذيب الآخرين خصوصاً الجنود الفارّين، حيث أعرب خالد عن اعتقاده أنه من الصعب التكهن بأنهم على قيد الحياة بسبب تعرضهم لتعذيب شديد.

وأكد خالد أنه فوجئ بأن عناصر السجن الذين كانوا يمارسون أسوأ صنوف التعذيب، كانوا يتصرفون بطريقة سادية، وكانوا يعبرون عن سرورهم لأنهم كانوا يعذبون المعتقلين حتى الموت ثم يطلبون الشاي وكأنهم قاموا بعمل روتيني.

وقال شاهد سوري آخر يدعى منعم حلانه يبلغ 57 عاماً من العمر ويعيش اليوم في مدينة "كيل" شمال ألمانيا، إنه شاهد الموت بعينه من جراء التعذيب، وقال إن جلاديه كانوا يجبرونه على الوقوف أمام جدار ويرفع يديه إلى أن يفقد وعيه من شدة الإعياء.

محاسبة رموز النظام

وأكد المحامي السوري مازن درويش، الذي تعرض أيضاً للتعذيب في سجون النظام السوري، ويعيش اليوم في ألمانيا، أن الهدف من رفع الدعوى هو محاسبة رموز النظام على الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها بحق مواطنين سوريين.

ويُعتبر مازن درويش إلى جانب زميله المحامي السوري أنور البني، والمحامي الألماني فولفجانج كاليك، المسؤولين عن هذه الخطوة، حيث إن كاليك يرأس المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان في برلين.

الجلادون الكبار

وتتضمن صحيفة الاتهام ستة من أبرز رموز النظام السوري المسؤولين عن جرائم التعذيب وهم: علي المملوك، رئيس مكتب الأمن القومي، ونائبه عبد الفتاح قدسيه، والعميد رفيق شحاده مدير السجن العسكري التابع للمخابرات والعميد محمد مهالا والعميد محمد خلوف والعميد شفيق مازا.

وتقع الدعوى في 110 صفحات سلمها المحامي الألماني فولفجاج كاليك إلى المدعي الألماني العام، حيث طلب التحقيق ضدهم، وضد آخرين من كبار المسؤولين في المخابرات السورية وكذلك في الحكومة السورية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

توثيق الشهادات

وأكد المحامي فولفجانج كاليك أن لجوء العديد من ضحايا التعذيب في سجون النظام إلى ألمانيا مع اللاجئين الذين سمحت لهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دخول ألمانيا بدون أوراق ثبوتية في مطلع سبتمبر 2015، سهل مشروع الدعوى لأن من الصعب جداً الوصول إلى ضحايا التعذيب في سوريا والحصول منهم على شهادات لتوثيقها تمهيداً لمحاسبة نظام دمشق.

وقال إنه استطاع الحديث مع ثلاثين شاهداً يعيشون في ألمانيا، لكن أغلبهم اعتذروا عن الإدلاء بشهاداتهم خوفاً من انتقام النظام من عائلاتهم التي ما زالت موجودة في سوريا، لكن سبعة منهم أعربوا عن استعدادهم للإدلاء بشهاداتهم أمام المدعي الألماني العام، معتبرين ذلك واجباً للكشف عن أن التعذيب من قبل النظام يُعتبر سياسة تتم بأمر من أعلى المستويات وليس مجرد عمل يتحمل مسؤوليته بضعة أفراد.

تحقيق العدالة

وأضاف كاليك: يريد الضحايا وأقاربهم الحصول على العدالة، وضروري جداً أن يشعر ضحايا التعذيب خاصة الذين لجأوا إلى بلادنا، أنهم لا يحصلون على الملجأ والأمان فحسب، وإنما سيحصلون على العدالة أيضاً.

وقال المحامي السوري أنور البني إن رفع دعوى لدى المدعي العام الألماني ضد رموز نظام الأسد، يُعتبر خبراً مهماً للقتلة والجلادين، والضحايا والمجتمع الدولي.

وقد أكدت ناطقة باسم وزارة الخارجية الألمانية أنه يتم التحقيق في الاتهامات ضد رموز نظام بشار الأسد لدراستها قبل البتّ في إمكانية محاسبة المسؤولين عنها من قبل القضاء الألماني.

يذكر أنه صدر قانون دولي بتاريخ 29 مارس 2002 يسمح لدول العالم بملاحقة ومحاسبة مرتكبي جرائم الحرب.

والانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وتم حتى الآن محاكمة رجلين من رواندا حكمت عليهما محكمة مدينة "شتوتجارت" بالحبس سنوات طويلة في عام 2015.