بقلم : سمير عواد (مراسل الراية في برلين) ..
زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى إلى تركيا مؤخراً تؤكد على المستوى الرفيع للعلاقات الثنائية التي تربط بين البلدين في السنوات القليلة الماضية، وأصبح هناك علاقات استراتيجية تربط البلدين ليست قابلة للشك أو المساس، فهي قائمة على التعاون البنّاء والثقة بما يخدم مصالح الشعبين القطري والتركي خاصة، والمنطقة عامة.

وهذا التقارب ليس موجهاً ضد أي طرف آخر وإنما، وكما تدل السياسات الواضحة لحكومتي البلدين، يعمل من أجل تحقيق الأمن والسلام والاستقرار في المنطقة، نسبة للمكانة الدولية لدولة قطر، كبلد يُعتبر أكبر مُصدّر للغاز المُسال في العالم، وينهج سياسة خارجية مستقلة تدعو إلى نبذ الخلافات وحل الأزمات الإقليمية والدولية على مبدأ الحوار وشعار «لا غالب ولا مغلوب»، وكون تركيا، أهم قوة إقليمية في الشرق الأوسط، ازدادت قرباً من العالم العربي بشكل غير مسبوق منذ تولي الرئيس رجب طيب أردوغان السلطة في أنقره.

وكانت وسائل الإعلام العالمية قد نقلت عن وكالة الأنباء القطرية، ما أوردته في تقرير لها حول الزيارة، أنها تأتي في إطار تعزيز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين. ومما لا شك فيه أن زيارة صاحب السمو إلى تركيا تمّت في مرحلة حسّاسة جداً تمر فيها تركيا الشقيقة، لاسيما مواجهة الرئيس التركي أردوغان مؤامرات الغرب التي تُحاك ضده منذ سنوات، والتي كان أبرزها محاولة حركة «فتح الله جولن» اغتياله والإطاحة بالنظام التركي في صيف 2016، ما جعل العديد من القوميين العرب يتذكرون كيف أن الغرب كان ينهج سياسة مماثلة تجاه الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر.

وقد لفتت الزيارة المفاجئة لسموه إلى تركيا انتباه العالم، خاصة أنها ساهمت في وقف تدهور الأزمة المالية في تركيا، والتي حمّل أردوغان مسؤوليتها إلى الولايات المتحدة الأمريكية وأعداء تركيا، الذين يسعون إلى المساس بأمن واستقرار تركيا.

 ففي هذه المرحلة العصيبة التي تمر بها تركيا الشقيقة، قدّمت قطر الدليل القاطع مرة أخرى على أنها تنهج سياسات بعيدة النظر، وتعبّر عن مدى حرصها على ضمان أمن واستقرار المنطقة وتفادي الإخلال بموازين القوى وبما يخدم مستقبل شعوب المنطقة ككل.

 وباعتراف صحيفة زود دويتشه» الألمانية، من شأن الدعم القطري السخي وقيمته 15 مليار دولار لتركيا أن يُعرقل محاولات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تهديد الاقتصاد التركي والسعي لانهيار الليرة التركية. وأكدت الصحيفة المطلعة أن الدعم القطري هو أول دعم لتركيا.

لن ينسى القطريون أن تركيا كانت أول بلد وقف بكل وضوح إلى جانب قطر عندما فرضت السعودية والإمارات والبحرين ومصر حصاراً جائراً على قطر عبر البر والبحر والجو، وأرسلت فرقة عسكرية رمزية إلى قطر لتؤكد على موقفها الذي لم تتراجع عنه رغم الضغوط التي تمارسها الرياض وأبو ظبي على أنقره حيث باءت بالفشل الذريع.

ويمكن القول أن الخطوة الكريمة والجريئة التي قام به سموه تجاه تركيا وردّ بعض الجميل لها في مرحلة حالكة، هي نموذج لما كان يتعيّن على دول الغرب خاصة الاتحاد الأوروبي عمله دون تردّد ومد يد العون لتركيا، والتأكيد على ضرورة الالتزام بدعمها وحمايتها من أي خطر خارجي.

فمنذ فترة وأردوغان تحت مِجهر ترامب، وكان كافياً بالنسبة للرئيس الأمريكي، المثير للجدل، أن يستغل إيقاف الراهب الأمريكي أندرو برونسون المشتبه بأنه كان يتعاون مع حركة «جولن»، ليثير نزاعاً حاداً مع الرئيس التركي ويسعى لزعزعة استقرار تركيا.

منذ توليه منصبه وترامب يتخذ قرارات عشوائية وخطيرة تستهدف إضعاف دول الشرق الأوسط باستثناء الكيان الصهيوني الذي حل في هذه الأثناء على أكثر مما كان يتوقعه من أي رئيس أمريكي سابق. فقد نقل ترامب سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، وكلّف صهره جاريد كوشنر بوضع تسوية للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي تنال رضا الإسرائيليين. كما ألغى ترامب الاتفاقية النووية مع إيران.

ويُقال أن الذي أثار غضب ترامب كان شراء تركيا النفط من إيران، ورفض أردوغان وقف شراء النفط الإيراني، وسأل مسؤولاً أمريكياً رفيع زار أنقره أخيراً بهدف إقناع الرئيس التركي بمقاطعة إيران: من سيساعدني في تأمين وقود الشتاء لأقدّمه لشعبي؟.

لقد تصرّفت قطر بحكمة ووفاء وأثبتت التزامها تجاه أمن واستقرار تركيا ومستقبل شعبها، وعلى دول الغرب الامتثال بالخطوة القطرية. إذ لا يمكن التقليل من أهمية تركيا، ولا دورها في منطقة الشرق الأوسط، وإضعافها يُخل بموازين القوى لصالح الدول التي استفادت على الأكثر حتى الآن من قرارات ترامب المُجحفة.