بيروت - منى حسن:

كانت الطاحونة، أو "الجاروشة" الحجرية، أداة رئيسية لطحن الحبوب ويرجع استعمالها لزمن ما قبل عصر التكنولوجيا وإدخال الماكينات الحديثة والطواحين الآلية في عملية الطحن، وتتكون الطاحونة من حجرين ضخمين مستديرين يوضعان فوق بعضهما، وفي الحجر العلوي منهما ثقب ويتم تثبيت الحجر السفلى وتدوير الحجر العلوي ووضع الحبوب في ثقب الحجر ليتم طحنها بين الحجرين.

ويشرح الباحث التراثي إيلي رزق أن الطاحونة لم تتوافر قديماً في كل بيت من بيوت الجبل في لبنان، فهم يتداولون أدواتهم فيما بينهم بلا حرج ولا كلفة، وكانت تستخدم لجرش الحبوب بأنواعها، ولطحن الملح، ويقوم بصنعها فنيون متخصصون بالتعامل مع الحجر تقطيعاً وتقصيباً ونحتاً، وهم غالباً معماريون مهنتهم البناء بالحجر الأزرق البازلتي، غير أنهم ينتقون للجاروشة الحجر الخشن والذي لا يستخدمونه في بناء النحت عادة، وذلك لأن حجري الجاروشة ينبغي أن يكونا خشنين، من أجل إنجاز عملية الجرش والطحن. وتقول بهية الشيخ التي تجاوزت عقدها التاسع وهي تعيش في مارون الراس أنها اشترت "الجاروشة" الحجرية من فلسطين واستعملتها في بيتها. وتضيف: كنت أرى والدتي وهي تطحن القمح بالجاروشة الحجرية، وقد ورثت عنها الطريقة، وهي تحتاج إلى جهد وطريقة فنية في دوران الحجر، وإلا فإن القمح لا يمكن أن يصبح طحيناً في الزمن المناسب. وتابعت: كنا نؤدي بعض الأهازيج أثناء العمل خاصة عندما تكون النساء مجتمعات، لكن تلك الأيام لن تعود لأننا كنا نشعر بروح الجماعة والمسؤولية تجاه الأسرة والمجتمع، أما اليوم فيأتي الرغيف للمنزل دون عناء، وربما يتقاعس العديد من الشبان عن إحضاره من الفرن الآلي، وبالتالي فقدنا في رغيفنا الواحد لذة العمل وروح الجماعة وبتنا نعيش على ما تقدمه لنا الآلة اليوم. وحول استعمال الجاروشة قالت: كنا نضع فيها القمح أو العدس أو الشعير بعد غربلته وتنقيته من الشوائب والحجارة، وعلى طرف الحافة العليا يوضع مقبض خشبي بواسطته وكانت كل ربة منزل تحرك جاروشتها، وهي تنشد مقاطع تراثية وتتبادل أطراف الحديث مع جاراتها وقريباتها وتديرها تارة بيمينها وأخرى بشمالها لتريح يديها.

وتضيف: "الجاروشة " لا تزال موجودة في منزلي فهي تذكرني بالأيام الجميلة التي عشتها في هذه الحقبة من الزمن ولكنني لا أستعملها بسبب مرضي، وأولادي يفضّلون القمح الجاهز من دون أي تعب.

وتقول جورجيت الحاج صديقة بهية والتي تجاوزت الثمانين عامًا من العمر: ظروف الحياة التي سادت قديماً في الجبل جعلت أهله يستخدمون أدوات حجرية للاستمرار وتأمين لقمة أولادهم، لذلك صنعوا من البازلت الصلب الجرن والجاروشة، أما اليوم فالواقع تغيير كثيرًا وأصبحت تلك الأدوات رغم قدمها التاريخي تستحق أن تذكر لتكون رؤية تاريخية ومحطة حقيقية لمعاناة الأهل والأجداد.

وتضيف :على الأجيال الحالية أن تقف باحترام للجيل الذي تعامل مع البازلت الصلب لصنع جاروشة الطحين، أو الجرن، لدق الكبة، أو الأدوات الفخارية المصنوعة من الطين لحفظ الطعام والشراب والمؤونة، في عصر الكاز والزيت لا الكهرباء والمولدات الكهربائية والبرادات والثلاجات بأحدث أنواعها.