بقلم : د. خالد التيجاني النور - كاتب وصحفي سوداني ..
شكّلتْ مُناسبةُ انعقادِ مُنتدى التّعاونِ الصينيِّ الإفريقيِّ فِي دورتِهِ السّابعةِ الّتي استضافتْهَا بكين هذَا الأسبوعَ، بمُشاركةِ أغلبِ الزعماءِ الأفارقةِ، فرصةً أُخْرَى لرؤيةِ التقدُّمِ السّريعِ والكبيرِ الذي تشهدُهُ علاقاتُ الشّراكةِ الاقتصاديّةِ والتِّجاريّةِ بَينَ الطّرفَينِ متجاهلةً شكوكاً غربيّةً حولَ الدّوافعِ الصّينيّةِ ممّا تعتبرُهُ غزواً صينيّاً للقارةِ السّمراءِ، بَيدَ أنَّ التجاوبَ الواسعَ بَينَ الدّولِ الإفريقيّةِ معَ مساعِي بكين لتعزيزِ العَلاقاتِ ظلَّ هُوَ الردَّ الأبلغَ عَلَى تلكَ التَّحفُّظاتِ الْغربيّةِ.

ولعلّ ثيرمومترَ العَلاقاتِ الصّينيّةِ الإفريقيّةِ الّذي ظلَّ يشهدُ ارتفاعاً لافتاً في غضونِ عقدَينِ فقطْ يدلّلُ بصُورةٍ واضحةٍ على أنَّ الطّرفَينِ حسمَا بصورةٍ فعليّةٍ مستقبلَ العلاقةِ بينَهُمَا وأنَّه يقومُ علَى تعزيزِ الشّراكةِ الاقتصاديّةِ بَينَ ثانِي أكبرِ اقتصادٍ عالميٍّ، والقارةِ البكْرِ الّتي تزخرُ بالمواردِ الطبيعيةِ الكبيرةِ الكامنةِ، فحتّى مُنتصفِ تسعينيّاتِ القرنِ الماضِي لم يكنْ التبادلُ التِّجاريُّ بَينَ الصينِ وإفريقيا يتجاوزُ سقفَ ثلاثةِ ملياراتِ دولارٍ، لمْ تلبثْ أنْ تشهدَ قفزاتٍ كُبرى معَ مطْلعِ الألفيةِ الجديدةِ حينَ بادرتْ بكين إلَى تأسيسِ مُنتدى التّعاونِ الصينيِّ الإفريقيِّ الّذي يعقدُ كلَّ ثلاثِ سنواتٍ بالتّبادلِ بَينَ الطّرفَينِ.

ومعَ التّجاوبِ المُتزايدِ مِنَ الدّولِ الإفريقيّةِ، المُتعطّشةِ للاستثماراتِ الخارجيةِ فِي ظلِّ إهمالٍ أمريكيٍّ للقارةِ، وعجزٍ أوروبيٍّ لا سيّمَا مِنَ الدّولِ الّتي كانتْ تتقاسمُ استعمارَ القارةِ، تمكنّتِ الصِّينُ فِي غضونِ الثمانيةَ عشرَ عاماً الماضيةِ مِنْ ملءِ الفراغِ الاقتصاديِّ العريضِ، بالانخراطِ فِي تأسيسِ شراكاتٍ معَ مُعظمِ الدّولِ الإفريقيّةِ، كانتْ ترجمتُه العمليةُ أنْ تضاعفَ حجمُ التبادلِ التِّجاريِّ بَينَ الصّينِ وإفريقيا إلى ستّينَ ضِعفاً فِي غضونِ عقدَينِ، حيثُ قفزتْ بصورةٍ دراميّةٍ من ثلاثةِ ملياراتِ دولارٍ فقطْ لتسجّلَ بنهايةِ العامِ الماضِي رقْماً قياسيّاً بلغَ مائةً وسبعينَ مليارَ دولارٍ، ويميلُ الميزانُ التِّجاريُّ لصالحِ الصّينِ بعشرينَ مليارَ دولارٍ، حيثُ بلغَ حجمُ صادراتِها لإفريقيا خمسةً وتسعينَ مليارَ دولارٍ، بينَما بلغتْ وارداتُ الصّينِ مِنْ إفريقيا خمسةَ وسبعينَ مليارَ دولارٍ، فضلاً أنَّ حجْمَ الاستثماراتِ الصينيّةِ فِي الدّولِ الإفريقيّةِ المُختلِفةِ بلغَ مائةً وعشرةَ ملياراتِ دولارٍ.

هذَا النموُّ المُتعاظمُ للشّراكةِ الاقتصاديّةِ بَينَ الطّرفَينِ قاد إلى طرحِ تساؤلاتٍ إنْ كانتْ هذِهِ الاستثماراتُ والمشاريعُ الصينيّةُ العملاقةُ ستقودُ إلَى تغييرٍ حقيقيٍّ فِي القارةِ الموبوءةِ بمشكلاتِ التخلّفِ التنمويِّ علَى الرُّغمِ مِنَ التّقدُّمِ الّذي تُحرزُهُ العديدُ مِنْ دولِ القارةِ النّاهضةِ الّذي مكّنَها مِنْ أنْ تحتلَّ المرتبةَ الثانيةَ فِي سجلِّ القاراتِ الأسرعِ نموّاً فِي العالمِ. والواقعُ يقولُ إنَّ المشروعاتِ الصينيةَ العملاقةَ بدأتْ بالفعلِ فِي تغييرِ وجْهِ القارةِ.

 فقدْ أسهمتْ الصينُ بالتّوسّعِ فِي تشييدِ البنياتِ التحتيّةِ فِي العديدِ مِنَ الدّولِ الإفريقيّةِ، حيثُ نفذّتْ خُطوطَ سككِ حديدٍ رئيسيةً، فِي كينيا ونيجيريا وإثيوبيا وتنزانيا وأنغولا والمغربِ، كما شيّدتْ آلافَ الكيلومتراتِ مِنَ الطّرقِ، وبناءِ مُستشفياتٍ، ووصلَ الأمرُ إلَى تمويلِ المُستثمرينَ الصّينيّينَ مُدناً بأكملِها، مثلَ مدينةِ سيداد دي كيلامبا - الّتي تبلغُ مساحتُها حوالَي تسعةَ كيلومتراتٍ - في أنغولا.

كما لعبتِ الصّينُ دوراً مُهمّاً في التّصنيعِ كرافعٍ أساسيٍّ فِي عمليّةِ التّنميةِ الإفريقيّةِ، وذلكَ مِنْ خلالِ الدّخولِ فِي شراكاتٍ معَ العديدِ منْ الدّولِ فِي تأسيسِ مناطقَ صناعيّةٍ كاملةٍ لأغراضِ التّصديرِ، فضلاً عَنِ الْإسهامِ فِي تطويرِ صناعةِ النّفطِ فِي العديدِ مِنَ الْبلدانِ الإفريقيّةِ مِنْ واقعِ حاجتِها الماسّةِ للطّاقةِ لمُقابلةِ احتياجاتِها المُتزايدةِ فِي نموِّها المُتسارعِ. وفِي ظلِّ تصاعُدِ الخلافِ التِّجاريِّ معَ الولاياتِ المتّحدةِ، تبحثُ بكين بشكلٍ مُتزايدٍ عنْ شركاءَ تِجاريّينَ جددٍ، ومِنَ الْمُتوقّعِ أنْ يكونَ للصراعِ التجاريِّ بينَ الولاياتَ المتّحدةِ والصينِ، تأثيرٌ غيرُ ملحوظٍ، ولكنّه مُهمٌّ، لمُساعدةِ بكين على تقليلِ الضغوطِ الأمريكيّةِ.

وإلَى جانبِ إقامةِ علاقاتٍ تجاريّةٍ وثيقةٍ فِي دولِ القارةِ، تسعَى الصينُ أيضاً إلَى تحقيقِ مصالحَ عسكريّةٍ فِي إفريقيا، ففِي يوليو/ تموز الماضِي، استضافتْ بكين مُنتدى أمنيّاً معَ دولٍ إفريقيةٍ للتّحضيرِ لقمّة الأسبوعِ المُقبلِ. ويقولُ الخبراءُ إنَّ الصينَ تريدُ تأمينَ مصالِحِها الاقتصاديةِ فِي القارةِ، بالإضافةِ إلى طُرقِها البحريّةِ، منْ خلالِ تعاونِها العسكريِّ معَ إفريقيا، حيثُ افتتحتِ الصّينُ العامَ الماضِي أوّلَ قاعدةٍ بحريّةٍ لهَا خارجَ البلادِ، في جيبوتي الواقعةِ فِي قلبِ القرنِ الإفريقيِّ عندَ مدخلِ البحرِ الأحمرِ، لتدعمَ عملياتِ حفظِ السلامِ الّتي تشاركُ فيهَا فِي إطارِ الأممِ المتحدةِ. كما تسعَى بكين إلى زيادةِ مبيعاتِ الأسلحةِ الصينيّةِ للدولِ الإفريقيّةِ.

وفِي حينِ يعتقدُ الكثيرُ مِنَ الأفارقةِ أنّه منَ المُمكنِ أنْ تساعدَ استثماراتُ الصّينِ التنميةَ فِي القارةِ، ينتقدُ آخرون «الغزوَ الاستعماريَّ الجديدَ» لإفريقيا، ولحسنِ حظِّ بكين فقدْ وجدتْ خيرَ مُعينٍ للدفاعِ عنْهَا فِي القادةِ الأفارقةِ الّذين توافدُوا عليهَا للمُشاركةِ فِي مُنتدى التعاونِ بشكلٍ غيرِ مسبوقٍ فِي ردٍّ غيرِ مُباشرٍ علَى هذِه الاتّهاماتِ، كما أنَّ عدداً منَ الْقادةِ الأفارقةِ لم يتردّدُوا في الدفاعِ بصورةٍ مُباشرةٍ عن السّياسةِ الصّينيّةِ فِي إفريقيا، فالرئيسُ اليوغنديُّ يوري موسيفني يرى أنّه علَى الغربيّينَ أنْ يكفُّوا عنْ وصْفِ التّقربِ الصّينيِّ منْ إفريقيا بأنّه استعمارٌ جديدٌ، مضيفاً إنَّ الأفارقةَ ليسُوا فِي حاجةٍ لمنْ يحدّثُهم كيفَ هُو الاستعمارُ، وذهبَ يذكِّرُ القُوى الغربيةَ بماضِيها الاستعماريِّ، وكيفَ أنَّها سطَتْ على ثرواتِ القارةِ الإفريقيّةِ دونَ مُقابلٍ، ممّا لا يقارنُ بالمنفعةِ الّتي تجنِيها الدولُ الإفريقيّةُ من عَلاقاتِها بالصّينِ.

وعزّز الرئيسُ الإريتريُّ أسياس أفورقي وجهةَ نظرِ الرئيسِ موسيفني، مُشبّهاً العلاقةَ الاستعماريّةَ الغربيّةَ معَ إفريقيا بأنّها كانتْ طريقاً ذا اتجاهٍ واحدٍ، بمعْنى أنَّ المصلحةَ فِيها تصبُّ فقطْ لصالحِ المُستعمرينَ، واعتبرا أنَّ طبيعةَ العلاقةِ الحاليةِ معَ الصينِ هِيَ طريقُ ذو اتجاهَينِ، يقومُ على المنفعةِ المُتبادلةِ.

ومعَ هذَا التّقديرِ الكبيرِ الّذي تحظى بها الصينُ فِي دوائرِ الخبراءِ وصنّاعِ الإستراتيجياتِ عَنِ الدّورِ المُستقبليِّ البارزِ الّذي تتهيأُ لهُ علَى المسرحِ العالميِّ، إلا أنَّ بكين تتصرفُ بذكاءٍ وحنكةٍ سياسيّةٍ يعصمانِها منَ التّورّطِ فِي استعجالِ حصادِ ثمراتِ الزّعامةِ المرجوةِ لهَا، قبلَ أنْ تنضجَ ويحينُ قطافُها، وتتخذُ الصينُ نهجاً أكثرَ تواضعاً وحذراً، ولكنّه بالغُ المكْرِ، فِي حسابِ خُطواتِها نحْوَ القمّةِ، دونَ أنْ تغترَّ بالمكاسبِ الضّخمةِ على صعيدِ أدائِها الاقتصاديِّ الّذي ينمُو بقفزاتٍ عاليةٍ مكّنها فِي وقتٍ وجيزٍ وفِي غضونِ سنواتٍ قلائلَ مِنْ أنْ تمسكَ بزمامِ المُبادرةِ فِي موازينِ مُبادلاتِها التِّجاريّةِ العالميّةِ.
  
khalidtigani@gmail.com