بقلم - فهد فرج مبارك الهلابي:

يتساءل الكل عن حقيقة الأزمة المالية التي تعصف بتركيا وهل من مسببات حقيقية لها، فقبل سنتين فقط كان الدولار بثلاث ليرات والآن قارب السبع ليرات. يظن البعض أن زيادة الدّين التركي الخارجي فاقمت في الأمر ولكن خلال السنتين الأخيرتين زاد الدَّين التركي من 420 مليار دولار إلى 460 ملياراً فقط، وإذا قورن ذالك بمديونية الحكومة الأمريكية سنجدها قفزت في الفترة نفسها من 18 تريليون دولار إلى ما يقارب 22 تريليوناً. فلِمَ نرى تهاوي الليرة في وقت يحافظ فيه الدولار على ثباته؟

أولاً من أهم أسباب ثبات الدولار الاتفاق الأمريكي-السعودي الذي يُلزم المملكة ببيع نفطها مقابل الدولار ويمنعها من قبول أي عملة أخرى، ما يعني أن المملكة تشتري شهرياً ما يساوي 16 مليار دولار أمريكي من السوق، وبذلك تحافظ على الطلب المستمر على الدولار، وحين تتجمع لدى المملكة جِبالٌ من الورق الأخضر الذي لا قيمة له غير أنه يحمل ختم الخزينة الأمريكية، لا يكون بوسع المملكة إلا أن تستثمره في الاقتصاد الذي يرحب بهذه العملة (من غير فرق الصرف) أي الاقتصاد الأمريكي، مما يدعم العملة الأمريكية مرة أخرى بضخ ما يقارب 200 مليار دولار سنوياً، وكيف لن تدعم المملكة الاقتصاد الأمريكي وهي تملك خزائن مليئة بورقهم، فمن صالح السعودية أن تظل لهذا الورق قيمة.

للأسف لا تملك تركيا هذه الاتفاقات المريحة مع الدول المصدرة للبترول، لذلك تصبح عملتها في مهب الطلب وثقة السوق، وإدارة ترامب لم تفرض فقط ضرائب على الواردات التركية ولكنها تعدّت إلى التلويح بأنها ستفرض على تركيا عقوبات مشابهة للعقوبات التي فرضتها على إيران، وحيث إن معظم الدَّين التركي هو مديونيات لرجال أعمال أتراك استدانوا من البنوك الأوروبية في وقت الطفرة، خلق التهديد الأمريكي حالة من التخوف لدى أصحاب البنوك من قدرة الأتراك على السداد، ودَبّ هاجسُ الخوف من أن تلجأ الشركات التركية إلى أعلان الإفلاس، وأضحت البنوك الأوروبية التي أدانت الأتراك تعيش في حالة هلع، وهكذا تبدأ المراهنات في السوق المالي على احتمالات انهيار تركي قريب، وكلما زاد رهان السقوط كلما زاد السقوط نفسه. من الجنون أن تسعى الولايات المتحدة إلى التقويض من قوة واستقرار أكبر حليف لها في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، سقوط تركيا سيعني ضعفاً لقوة الردع الأمريكي في المنطقة، وخسارتها موطئ قدم في مكان استراتيجي بين أقدم قارتين، ورمي لحليف استراتيجي إلى حضن الصين وروسيا، وخسارة ضخمة للبنوك الأوروبية التي ترتبط بالاقتصاد التركي، وفتح أبواب الهجرة غير الشرعية لأوروبا، وانهيار الجدار العازل الذي يحمي أوروبا من التنظيمات الإرهابية، سقوط تركيا ليس فيه خيرٌ لأحد بل سيسبب زلزالاً في أوروبا لن تسلم منه أمريكا، فعجيب أن تسعى أمريكا جاهدة لتقويض تركيا.مفتاح اللغز يكمن في أن من يقود الهجوم الأمريكي على تركيا ليس ترامب نفسه بقدر ما هو نائبه «مايك بنس» وقليل منا يعرف من هو هذا الشخص، فهو نفسه من وقف نهاية يوليو الماضي في مؤتمر أمام ممثلي الكنائس المسيحية وأعلن أنه ليس أمام تركيا سوى خيارين، إما التنازل أو تحمل «عقوبات جسيمة»، دق بتلك الكلمات ناقوس الخطر في أسواق المال، لذلك لم يكن مستغرباً حين رد عليه أردوغان بالمثل فقال «هنيئا لهم دولارهم فلنا ربنا الله»، كانت رسالة تحد موجهة إلى من يتفاخر بتطرفه الديني.

حقاً إنه من العجب أن نائب الرئيس الأمريكي وبتعصبه الديني يقود المنطقة إلى الانفجار ومن ثم إلى أسباب الجوع والفقر والإرهاب والتشريد والموت، ولا يسميه أحد بالمتطرف الديني، ولكن لو مشت امرأة بنقابها في باريس فهي قد هددت السلام العالمي بإرهابها الديني، عجباً.