بقلم - سليم عزوز:

تبدو المنطقة على «كف عفريت»، فاستقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري من الرياض، لها ما بعدها!. هناك من قالوا إن «الحريري تحت الإقامة الجبرية، فكان نفي الخبر؛ بإعلان سفره إلى أبي ظبي، وهو أمر لا ينفي ما قيل، فقد يتسع مكان الإقامة الجبرية ليشمل الإمارات، وربما البحرين والقاهرة، وهي كلها امتدادات لأصل واحد، ومع هذا فإن كونه لا يخضع للإقامة الجبرية، لا ينفي المعنى من استقالته من منصبه الرفيع في بيروت من بلد ثان، لاسيما وأن إجماع الأجهزة الأمنية في لبنان منعقد على تكذيبه فيما أعلنه من تعرّض حياته للخطر!.

والذي «زاد وغطى»، هو الاستدعاء السعودي لرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس «أبو مازن»، دون إعلان لأسباب هذا الاستدعاء المفاجئ، فالإثم هو ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس!.

بالحسابات العاقلة، ليست هناك مخاطر يمكن أن تحدث، فالتحالف العربي «غارق لشوشته» في الوحل اليمني، في حرب يبدو جلياً أن التحالف سيعجز عن حسمها في الأمد المنظور، وقادته ليسوا على استعداد لتجرع السم والهروب من هناك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، فيبدو التزحلق في الوحل أمراً مُغرياً، كما أن هناك من يستهويهم التزحلق على الجليد، فضلاً عن أن الهروبَ قبولٌ بالهزيمة، ولا يعني أن الطرف الآخر، سيتوقف عند مجرد الانتصار بدحر العدوان، فالنصر مغرٍ بالتقدم إلى الأمام!.

قبل أسابيع بدأت المملكة العربية السعودية في مفاوضات مع وسطاء عراقيين، لتحقيق المصالحة مع إيران، والطريق ليس ممهداً لذلك من الجانب الإيراني، ولاختلاف الحسابات في أكثر من جبهة، ويبدو أن «الوسواس الخناس» واسم الشهرة له «ترامب» حضر، فعطّل قرار السعي للمُصالحة، فلأنه قرّر أن يستحوذ على ما في حوزة القوم من أموال، فإن المُصالحة ليست في مصلحة توجهه بالسطو والاستحواذ، فتغيّرت لغة الخطاب السعودي، ولم يعد القوم مهتمين بمواصلة مسار الوساطة الذي بدأ، فكان استدعاء «أبو مازن»، وإعلان «الحريري» استقالته من الرياض، كاشفاً عن أنها الحرب!.

بالحسابات العاقلة، فإن السعودية ليست مؤهلة لذلك، وقد وصلت الصواريخ البالستية إلى عقر الدار السعودي، ولم يعد يمنع من تكرارها أن يُقال إنها صنعت في إيران وقام بها عناصر من حزب الله من مواقع الحوثيين، فمثل هذا الاتهام، إن كان «رمي بلاء»، لن يدفع إيران وحزب الله، إلى التدخل لدى الحوثيين لوقف صواريخهم خوفاً من الاتهام وعلى قاعدة «يعملوها الصغار ويقع فيها الكبار»!.

وبالغرق في المستنقع اليمني، فإنه بالحسابات العاقلة وبالورقة والقلم، لا تقول بأن المملكة يمكن أن تدخل في أزمة مفتعلة مع قطر، وبقرار فرض الحصار عليها، فلا يوجد عاقل رشيد يخوض حرباً على أكثر من جبهة في وقت واحد، وهو ما يؤكد أنه رغم معركة اليمن، فلا مانع من خوض معركة جديدة، قد يكون «الواسوس الخناس» قد أوحى أن الانتصار فيها سيحقق الانتصار في الساحة اليمنية، وترامب منذ اليوم الأول له في البيت الأبيض وهو يدق طبول الحرب ضد إيران، لكن هل يقدر على إيران؟!.

«طهران» ليست «بغداد»، وهو ما يتفهّمه ترامب جيداً، وهو ليس مجنوناً بالكلية، على النحو الذي يدفعه لتجاهل القوة الإيرانية واستعدادها لضرب الوجود الأمريكي في المنطقة والحرب هنا لن تكون نزهة، والانتصار الأمريكي ليس مقطوعاً به، فترامب لديه بعض «كابلات عقله» لا تعمل بشكل سليم، لكن بالجزء السليم فإنه لن يتهوّر، تماماً كما نعلم أنه لن يدخل في معركة مع كوريا الشمالية. وللوقوف على مدى دقة تهديداته لابد من دراسة «سيكولوجية البلطجي»، فإذا كان ترامب نصف مجنون، فإن «العاهل الكوري» مثله، وعندما يقفا أمام بعضهما فإن غير المصاب في أعلى الرأس هو ما يعمل!.

والتهديد بقصف كوريا الشمالية لم يبدأ مع الرئيس الأمريكي الحالي، فقد هدّد بوش الابن وتوعّد، ومع ذلك لم يقصف كوريا وإنما احتل العراق!.

إيران، ليس هو البلد الذي فرض عليه الغرب حصاراً قبل ثلاثين عاماً، لكنه البلد الذي عمل الغرب في خدمة تمدّده، وكأن العواصم الغربية ما هي إلا عفريت من الجن سخّره الإيرانيون لخدمتهم، فالنفوذ الإيراني رغم الحصار امتد إلى بغداد بإسقاط العدو صدام حسين، وهو ممتد إلى اليمن على الحدود مع المملكة العربية السعودية، كما امتد إلى لبنان وسوريا حيث الجارة إياها!

وإذا تم توجيه ضربة إلى طهران، فسوف تتخلى عن حذرها، لتصبح كل الأهداف مستباحة، والهدف الذي لا تطاله الصواريخ المنطلقة من قواعدها في طهران، ستطاله الصواريخ المصوّبة من عواصم أخرى!.

وهو الأمر الذي نستبعد معه حرباً مباشرة ضد إيران، وغير المستبعد أن يستغل ترامب هذا الاندفاع المجنون لإرضائه، في الدفع بمعركة ضد حزب الله تشارك فيها إسرائيل مع عواصم عربية معروفة بالاسم، وإن كنا لا نعرف حدود مشاركة السيسي الآن، الذي لم تصل إلى مسامعه طبول الحرب، فيجلس يلعب ويلهو في شرم الشيخ في «انتظار الفرج»، فالحرب تجارته التي لا تبور، وعلى قاعدة «هات خد»، وهي النصيحة الغالية التي أسداها له سكرتيره الخاص «عباس كامل»، عند التعامل مع دول الخليج في حروبها؛ فلا يؤخر الأمر إلى أن تضع الحرب أوزارها، والمشاركة في حرب تحرير الكويت مثّلت خبرة عميقة للساسة العسكريين، تمثلت في نصف المشاركة، حيث اختيار الموقع البعيد عن الحرب، والانشغال بمعارك «تموين» الجنود!

فضلاً عن الرز، فإن قيمة الحرب عند السيسي تتمثل في أن قراراً أمريكياً وإقليمياً سيصدر بالإبقاء عليه، لحاجة القوم له في معركتهم ضد إيران عبر حزب الله!.

واستدعاء محمود عباس «أبو مازن»، قد يكون له أكثر من هدف وهو أن تكون المخيّمات جزءاً من المعركة، والبحث عن حل لمعضلة حماس، التي عندما استشعرت أن الحكم العسكري في القاهرة يخطط للانفراد بها، تصرّفت بذكاء وأعادت فتح خطوط الاتصال المقطوعة مع طهران، فالمطلوب من المُصالحة لم يتحقق، فلم تدفع رواتب الموظفين، ولم يفتح المعبر، بل كان الإجراء الذي كشف المخطط، هو فرض السلطة إدارتها للمعبر بشكل منفرد!.

ترامب ولكونه ليس مجنوناً مكتمل الجنون، يُدرك أنه إذا تم قصف حزب الله، فسوف ينقل المعركة إلى الأهداف الإسرائيلية، فإذا استغلّت المقاومة الأمر وضربت فلن يبق إسرائيلي في الأرض المحتلة، نسيت أن هناك نصف مجنون في تل أبيب اسمه «نتنياهو» يُحرّض على الحرب ضد حزب الله، الذي مكّنه من الأرض السورية عدم حماس الغربيين ومعهم إسرائيل من إسقاط حكم بشار الأسد.

الحرب إذاً ستكون ضد حزب الله، لكنها أيضاً ليست مضمونة تماماً، فأنصاف مجانين يدمّرون ينقضون غزلهم من بعد قوة أنكاثاً، وهناك نصف مجنون غير ما ذكرنا، تعرفونه كما تعرفون أبناءكم، لن نذكره احتراماً لهذا المنبر!.

عموما قد تكون آخر الحروب. 

كاتب وصحفي مصري

azouz1966@gmail.com