بقلم - عبدالرزاق العنزي:

كانت أمي رحمها الله تأخذني بيدها بعد العشاء الآخر من بيت أخوالي لنعود إلى بيتنا في ظلام الليل، وفي طريق العودة والسماء مكشوفة أمامنا، كانت ترفع رأسها إلى السماء وتدعو الله وتتوسله العفو ودفع البلاء، وأنا أراقبها وسط ذهولي وفزعي وخوف قلبي من أن هناك مصيبة حلت بالكون أو صاعقة ستنزل علينا، فأقاطع أمي في دعائها وأنا صبي في السابعة وأقول: يا أمي هل هناك مصيبة حدثت أو ستحل علينا ، تلتفت إليّ بابتسامتها الرقيقة مع نور على وجنتيها بدد الظلام في نظري، تقول: لا تخف يا بني إني فقط أدعو الله وأطلب منه الستر والعافية واللطف بنا ودفع البلاء عنا وعن المسلمين، رحمها الله، أمي كانت تعرف ربها حق المعرفة في تجلياتها الإيمانية.

إنها أمي وأمك، فهي لم تقرأ روايات باولو كويلو ولا ديستوفيسكي ولا ثلاثيات نجيب محفوظ ، ولا أشعار المتنبي وغزل مجانين العشق ولا فخر الهلالي ، لكنها علمتني كيف أقرأ، إنها أمي لم تدخل المدرسة ولم تتدرج في مراحل الجامعة ولم تحضر رسالات الماجستير والدكتوراه ، لكنها علمتني كيف أتخرج من الجامعة وأواصل دراستي.

إنها أمي وأمك، فهي لم تمسك قلماً ولم تكتب رواية أو شعراً أو نثراً، لكنها علمتني كيف أكتب الشعر وأسطر روايات الحياة، إنها أمي لم تتقلد سماعة طبيب ولا مشرط جراح ولا إبرة ممرض، لكنها علمتني كيف أكون مثلهم ، إنها أمي لم تمسك معولاً ولم تحرث أرضاً ولم ترسم خرائط مهندس، لكنها علمتني كيف أكون مثلهم.

إنها أمي وأمك، على ركبتيها ينشأ وطن وفي حضنها تتكون أسر، ومن دمعاتها يتدفق الحنان، وفي ضحكاتها يستلهم العالم سعادته، إنها أمي وأمك منتهى العالم، وحدود الحياة ، بحزنها تسوّد الدنيا في وجوه الناس، وبسعادتها تشرق الأنوار في دروب البشر، إذا مرضت أحسست أن العالم كله مريض، وإذا شُفيت لا ترى في عيون الكون مريضاً، وإذا غضبت رأيت الكوارث تنهال عليك والنكبات تجثم على صدرك ، وإذا رضيت رأيت كل عسير سهلاً وكل صعب يسير المنال ، وإذا غفت عيناها ترى السهاد في عيون الناس، وعند الصباح لا ترى أنقى ولا أصفى من وجهها تنتشر السعادة والسرور في محياها.

إنها أمي، وأمك بها عرفت الله واحترمت الآخرين وأكلت الحلال وهجرت الحرام وأديت الأمانة ورأيت الجنة وخفت النار وسلكت مسالك الصالحين.

إنها أمي وأمك، نهاية يومك عند قدميها وآخر العيون رُؤيةً عيناها لأنها لا تنام حتى تطمئن على عودتك سالماً إلى بيتك ومرقدك رغم أنها رأت أحفادها منك لكنك بنظرها مازلت صبي السابعة الذي فُزع من دعائها ذات مساء ، لم تكبر في عينيها فخوفها عليك في الصغر كما خوفها عليك في الكبر فكن طفلها المدلل كما تريد هي، إنها أمي وأمك قداسة الأرض في رضاها وصك الجنة تحت قدميها ومفتاح السعادة بين يديها.

وفي آخر العمر مرضت أمي وانهار جسدها وخارت قواها وفجأة ذهبت أمي إلى جوار ربها وتركتني وحيداً بين الناس لا أرى إلا أطيافها وخيالاتها في عيون الناس، لكنها علمتني قبل أن تذهب كيف ألحق بها وأصحبها في الجنة.. إنها أمي يا سادة.

 

Bn_lafi@hotmail.com