د. علي محمد فخرو - كاتب ومفكر بحريني : 

هناك ظاهرة جديدة ومثيرة للقلق تبلورت تدريجياً عبر السبعين سنة الماضية في الحياة السياسية والثقافية العربية.

وهي ظاهرة تستحق الكثير من الدراسة التحليلية لفهم أسبابها، ووسائل القائمين على ترسيخها، وأخطارها الكارثية التي نراها أمامنا.

إنها ما يمكن تسميته بظاهرة التأثيرات المتعددة والمتنامية للخليج العربي في حياة المجتمعات والشعوب العربية، وعلى الأخص التأثيرات السياسية والثقافية والأمنية والإعلامية.

لقد بدأت تأثيرات تلك الظاهرة السلبية عند هجرة الملايين من أبناء الأمة العربية إلى منطقة الخليج العربي للعمل فيها. لم تكتف تلك الملايين بالاستفادة المالية من الثروة البترولية الهائلة التي تدفقت على كل دول الخليج العربية بفعل الارتفاع الكبير في أسعار المنتجات البترولية، وإنما تشبعت أيضاً، على مرور الزمن، بعادات وسلوكيات وأفكار جديدة، والتي كانت خليطاً من عادات وسلوكيات البداوة من جهة ومن عادات وسلوكيات الحياة الرغيدة المرفهة التي تصاحب الغنى الفاحش المبنى على ثروة ريعية ليس فيها جهد ولا معاناة من جهة أخرى.

لقد عاد الملايين إلى مختلف أجزاء الوطن العربي بعادات التبذير المظهري والاستهلاك النهم لكل شيء مادي معنوي، والتفاخر بالأنساب والعلاقات الزبونية، والاحتقار للعمل اليدوي الشاق، والكسل الذهني أمام تحديات وتعقيدات الحياة العصرية.

وبالطبع عاد المتدينون منهم بأفكار وممارسات فقهية متزمتة، مختلفة وعنفية.

ولقد ساعد على غرس كل تلك القيم والسلوكيات وتجذيرها في النفوس والعقول إعلام رسمي يشخصن الحياة السياسية، ويبالغ في المدح والتجميل وتغطية العيوب العامة، ليتبعه بروز إعلام خاص معني بالدرجة الأولى لخدمة مصالح مالكية الزبونية أكثر من خدمة المصالح العامة وتقديم الترفيه على الثقافة.

وبالطبع توسع الإعلامان، الرسمي والخاص، بصورة مذهلة ليسيطرا على مساحات الفنون والسياسة والدين في كل أرض العرب ويحدثان ضجيجاً سلبياً في النفوس والقيم والعقول.

لقد لعبت تلك التأثيرات السلوكية والفكرية والدينية دوراً واضحاً في تهيئة المجتمعات العربية للانتقال إلى ما نحن عليه اليوم من أوضاع حضارية سلبية.

لكن لم يقف الأمر عند تلك الحدود، إذ أدخلت الثروة النفطية في رؤوس البعض ليعتقدوا خطأ بأن امتلاك المال الكثير يجب أن يصاحبه امتلاك النفوذ والقيادة في الحياة العربية، وعلى الأخص السياسية والأمنية.

فجأة، ودون امتلاك لفكر سياسي عميق ورزين وواضح، رأينا البعض يريد أن تكون له كلمة مسموعة ومطاعة في كل ما يدور في وطن العرب الكبير، سواء على المستويات الوطنية المحلية الداخلية أو على المستوى القومي العربي والمستوى الإسلامي. ولا يحتاج الإنسان للتذكير بالأدوار السلبية التي لعبها البعض في الجامعة العربية ودفعها لاتخاذ قرارات خطأ بحق هذا القطر العربي أو ذاك.

فجأة رأينا البعض ينغمس في اللعبة الجهادية التكفيرية المجنونة، تمويلاً وتسليحاً وتدريباً وتنسيقاً مع المعسكر الصهيو - أمريكي الاستخباراتي. وها نحن اليوم نرى البعض منغمساً في أوحال اللعبة التآمرية الدولية الكبرى لتمزيق المجتمعات العربية، ولإغلاق الملف الفلسطيني في صالح العدو التاريخي الاستيطاني المجرم، ولتأجيج الصراعات المذهبية الطائفية، ولإضعاف النظام الإقليمي العربي. هنا يحق لنا أن نطرح الأسئلة:

ترى متى سيأتي اليوم الذي لا نرى فيه أو نسمع أو نقرأ الأسرار المسربة التي تتحدث عن تورط هذه الدولة الخليجية أو تلك، كشريك فاعل، في صراع داخلي مدُمر عبثي يفرض على هذه الدولة العربية أو تلك، سواء في مشرق الوطن العربي أو في مغربه ؟

متى سنصل إلى ألا نسمع وألا نقرأ عن تمويل هذه الجهة أو تلك لهذا الفصيل الجهادي المعتوه، أو عن قيام هذه الجهة أو تلك بعمل وظيفي لخدمة دولة عدوة خارجية، أو تبني هذه الجهة أو تلك لمعارض انتهازي مرتبط بأجهزة الاستخبارات الخارجية؟

ما يؤلم إلى حدود الفجيعة أنه كان بإمكان الخليج العربي أن يستعمل ثرواته الهائلة لتكون رافعة اقتصادية وحضارية لكل الوطن العربي، في مواجهة الفقر والجهل والمرض والتخلف، لكننا، مع الأسف، سمحنا لأنفسنا أن نقلب ظاهرة واعدة مليئة بالخير والإمكانيات الإيجابية إلى ظاهرة مليئة بالسلبيات والتأثيرات الضارة. هذا ما يفعله غياب الفكر العاقل المتزن الإنساني.