بقلم : سامي كمال الدين (إعلامي مصري) ..
عصيّةٌ هِي الكتابةُ يا رابعةُ.. مُوجعةٌ هَذِهِ الكلماتُ الّتي تتساقطُ عَلَى مساحاتِ البَياضِ أمَامِي، وذلكَ اليومُ لا يبرحُ الذاكرةَ.. بياضٌ خَلتْ منه قلوبُ المِصريّينَ صباحَ الرابعَ عشرَ مِن أغسطس لعامِ 2013، حينَ لفحتْ الخسّةُ والنّذالةُ تلكَ الوجوهَ التي دعمتْ القتلَ وفوّضتْ لأجلِهِ.. دعمتْ وفرِحتْ في حرقِ مِصريِّينَ، كلُّ جريمتِهم دفاعُهم عَنِ اخْتيارِهم وموقفِهم، لا وجدوا رحمةً مِنْ جيشِهم، ولَا رحمةً مِنْ قياداتٍ ليسَ لدَيهَا الوعيُ والتّخطيطُ السّياسيُّ الكافِي.

يعزُّ عليَّ أنْ أضعَ مَنْ قتلَهم ومَنْ قادَهم في سطْرٍ واحدٍ، أبداً لا تجوزُ المُساواةُ بينَ القاتلِ والقتيلِ، بلْ هِي ظلمٌ بيّنٌ، وإنْ كانَ مَنْ أدارُوا اعتصامَ رابعةَ العدويةِ ليسَ لدَيهم إستراتيجيّةٌ أَو تكتيكٌ، فهلْ يُعقلُ أنْ تقتلَهم.. هلْ يحقُّ لجيشِ مِصرَ أنْ يرفعَ سلاحَه فِي وَجْهِ مُواطنٍ مِصريٍّ مدنيٍّ خرجَ ليعتصمَ رفضاً لانقلابٍ عسكريٍّ..؟!

لو وصلتْ مصرُ بعدَ سنواتٍ خمسٍ للعُلا وأصبحتْ « قَد الدُّنيا « كَما وعدَ جنرالُها، لارتكبْنا حماقةً، وحاسبْنا القتيلَ، لكنّه قَتلَ وانهزمَ.. حرقَ وسقطَ.. سرقَ وخذلَ.. خانَ وفشلَ.

بعدَ سنواتٍ خمسٍ لواحدةٍ من المجازرِ البشعةِ فِي التّاريخِ الحديثِ، نستطيعُ الاعترافَ بأنّ ثورةَ 25 يناير مُنيتْ بأكبرِ هزائمِها، وأضيفَ إلى الثّمانمئةِ شهيدٍ آلافُ الشهداءِ في الحرسِ الجمهوريِّ ورابعةَ والنهضةِ، وخسرتْ الثورةُ منتوجَها الديمقراطيَّ، والرّئيسَ المدنيَّ الذي جاءتْ بِهِ، والستةَ استحقاقاتٍ التي كسَبتْها.

هُزِمتْ ثورةُ يناير بتشرذُمِنا وتفرُّقِنا وقسوتِنا وتخوينِنَا لبعضِنَا البعضَ.
هُزِمتْ ثورةُ يناير بالتَّكْوِيشِ على السُّلطةِ، واستعْداءِ رفقاءِ الضّربِ.
هُزِمتْ ثورةُ يناير، حينَ اعتقدتْ القوَى المدنيّةُ أنّ الجيشَ سيُسلِّمُها السُّلطةَ على طبقٍ من ذهبٍ، فإذَا بِهِ يُلقِي بأغلبَ مَنْ أيّدُوه وساندُوه فِي غياهبِ السّجونِ.
هُزِمتْ ثورةُ يناير، حينَ صمتَ مَنْ صمتَ أمامَ الدماءِ التي ملأتْ ساحةَ مسجدِ رابعةَ.
هُزِمتْ ثورةُ يناير حينَ غابتْ الرحمةُ عِنِ القلوبِ، وهِيَ تُشاهدُ جثثَ المِصريِّينَ تحترقُ أمامَها وصمتَتْ.

مذبحةُ رابعةَ العدويةِ هِيَ اكتمالٌ لهزيمةِ ثورةِ 25 يناير، فهلْ تغيّرْنا بعدَ خمسِ سنواتٍ مِنْ المجزرةِ..؟!
الإخوانُ كما هُم لا جديدَ، سِوى بَيانٍ أو مُبادرةٍ صدرتْ عشيةَ الذكْرى الخامسةِ لمذبحةِ رابعةَ يُطلبون فيهَا عودةَ الرّئيسِ مُحمّدٍ مُرسِي عَلَى رأسِ حُكومةٍ ائتلافيّةٍ لمدّةٍ مُحدّدةٍ « أفضلُ طريقٍ للخروجِ مِن هَذا النّفقِ المُظلمِ هُوَ عودةُ الرئيسِ مُرسي لسدّةِ الحكمِ على رأسِ حكومةٍ ائتلافيّةٍ يتمُّ التوافُقُ عليها مِن القوَى الوطنيّةِ لمُدّةٍ مُحدّدةٍ وكافيةٍ، يتمُّ خلالَها تهيئةُ البلادِ لإجراءِ انتخاباتٍ حرّةٍ نزيهةٍ تشرفُ عليهَا هيئةٌ قضائيّةٌ مُستقلةٌ، تتوافقُ عليهَا القوَى الوطنيّةُ دونَ إقصاءٍ لأحدٍ».

لا أعرفُ لمِن توجّهُ جماعةُ الإخوان هذَا الخطابَ، للسيسي.. للبرادعي.. لمَن قادُوا اعتصامَ رابعةَ.. لمُعارضةِ إسطنبولَ البائسةِ..للجيشِ المصريِّ.. للأزهرِ، ربّما للكنيسةِ المصريّةِ!
قلّبْتُها ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشمالِ لأعرفَ لمِن توجّهُ جماعةُ الإخوانِ هذَا النداءَ، فالنداءُ مُوجّهٌ لمَن يستطيعُ التنفيذَ، فمَن الّذي سيعيدُ الرئيسَ مُرسي للحكمِ؟!

أتمنّى وأحلمُ بذلكَ، لكنْ كلّ ذي عقلٍ يعرفُ أنّ مُعطياتِ الواقعِ لا تعيدُ الرئيسَ إلى الاتحاديةِ، ولو بنسبةِ ثلاثةٍ في المائة، لكنّه الإصرارُ على خطابٍ خارجِ العقلِ.

القوَى المدنيةُ بعدَ سنواتٍ خمسٍ ما زالتْ كما هِيَ بلَا رُبّانٍ ولا سفينةٍ ولا قيادةٍ حكيمةٍ، ولا مشروعٍ وطنيٍّ حقيقيٍّ يجمعُ الناسَ حولَه.

باقي التّياراتِ الإسلاميةِ الأُخرى، ما بينَ مُنبطحةٍ للسلطةِ، ومدافعةٍ عنها، حتّى وإنْ خرج السيسي على الهواءِ مباشرةً، وقالَ أَنَا ربُّكُم الأعلَى، فسيبحثونَ لَه في كتبِ التّفاسيرِ، عن تخريجةٍ لَه، وأُخرى معارضةٍ لنظامِ السيسي، متعاركةٍ مع الإخوانِ، مُتناحرةٍ مع بعضِها البعض.

النخبةُ ذهبتْ إلَى هُناكَ، حيثُ اللاشيءُ، تناثرتْ عبرَ طرقاتِ السّياسةِ، تفتّتتْ في دروبِ التّحليلِ والتّفسيرِ، والنومِ العميقِ، فإذا ما صحتْ هاجمتْ الإخوانَ، وقالتْ إنّهم سببُ بلاءِ الكرةِ الأرضيةِ.

الشعبُ المصريُّ، الذي خاطبَه قادةُ عسكرِ الستينياتِ والسبعينياتِ بأنّه هو المُعلّمُ، خلعَ بدْري مِن دَورِ المُعلّمِ، وانزوى في ركنٍ من مصرَ، وتركَ السيسي ورجالَه يعبثونَ فيهَا كما شاءَ لهم الجهلُ السياسيُّ.
الشعبُ المُعلّمُ تعلّمَّ الدرسَ الّذي أعطاه السيسي إيّاهُ يومَ مذبحةِ رابعةَ، إمّا الصمتُ التامُّ والتأييدُ المطلقُ، أو قتلُكَ وحرقُ جثتِكَ وأولادِكَ، أو زاويةٌ في زنزانةٍ مظلمةٍ.

إذا كنّا بحاجةٍ إلى إعادةِ بناءِ مؤسساتِ الدولةِ، وإعادةِ الجيشِ إلى مكانِهِ وواجبِهِ، وهُو الدفاعُ عنِ الوطنِ، فإنّنا بحاجةٍ أيضاً إلى مُعارضةٍ حقيقيةٍ، تخلقُ حالةً صحيّةً من الجدلِ والحراكِ، لتُعيدَ الشعبَ المعلمَ إلى مكانتِه ودَورِه ومسؤوليتِهِ في بناءِ وطنِه، وتحقيقِ انتقالٍ حقيقيٍّ للسُّلطةِ من العسكريينَ إلى المدنيّينَ عبرَ إعادةِ الوعَي للشّعبِ المُعلّمِ، دونَ هذا فإنّ أغلبَ مَن فِي النّاحيةِ المُخالفةِ للسيسي لنْ يخلُقُوا حالةً صحيّةً، بلْ سينهون حالتَكَ الصحيةَ إذا كنتَ تحلمُ حقاً بأنْ تجعلَ مِن هذا الوطنِ «قد الدُّنيا»..!
  
samykamaleldeen@