بقلم - جورج علم- بيروت:

يقرّ مجلس النواب اللبناني، بعد ثلاثة أيام، وليال من المبارزات الإعلاميّة، موازنة الـ 2017، وسط عاصفة من التصفيق. إنها المرّة الأولى بعد 12 عامًا يكون للبنان موازنة. كان الإنفاق عشوائيّا. بلد ينفق كيفما كان، من أينما كان، من دون حسيب، أو رقيب، والدليل أن الدستورييّن يشكّكون، ويعلنون صراحة بأن ما تمّ إقراره غير دستوري، لأن البتّ بأي موازنة يجب حكمًا أن يسبقه قطع حساب عن السنوات التي مضت، ومثل هذا الأمر لا ينطبق على موازنة 2017، لأنه لم يسبقها قطع حساب، أما لماذا تعذّر ذلك، فالمسألة تبدو معقّدة للغاية، وتتخطّى الأرقام نحو "نبش قبور الماضي"، وفتح كل ّ الأبواب والمسارب التي أدت إلى الحرب الأهليّة التي استنزفت كلّ شيء البشر، والحجر، قبل الوصول إلى الاستقرار الهش المصطنع، ويكفي التذكير فقط بمصير الـ11 مليار دولار التي تبخّرت في عهد رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة، إن غياب هذا المبلغ في ظروف كثر فيها اللغط الأمني والسياسي، والطائفي، يجعل المساءلة متعذرة، ومع تعذّر المساءلة تغيب المحاسبة، ويغيب معها قطع الحساب، ولكن ما العمل؟، وهل يبقى البلد في عين العاصفة يأكل من حيث لا يزرع، أم يتوجب عليه أن ينطلق من بداية، ولو غير دستوريّة، ويكون له موازنة من دون قطع حساب، ولو لمرّة، لوقف الهدر، وتخطّي الفوضى.

ويستدعي رئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون سفراء الدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، ويسلّمهم رسائل خطيّة إلى رؤساء دولهم تتضمن نظرته لمعالجة النزوح السوري، بعد أن تحوّل إلى خطر ديموغرافي في لبنان، فتثور ثائرة العديد من الأطراف السياسيّة على خلفيات مصلحيّة، إذ كيف يجوز للرئيس أن يحرّك ملفا يشكّل نوعاً من التوازن المذهبي، في مواجهة حزب الله، والمد الشيعي الإيراني؟!. انقسم البلد عموديّا حيال هذا الملف. في الشكل الكل يتظاهر مع العودة. في المضمون، إنها محاولة "لنبش قبور الماضي"، والعلاقة مع سوريا النظام ما بين مرحّب، ورافض، فيما يبقى الملف عالقاً عند حافة التصادم؟!.

وتطلّ النائب السيدة ستريدا جعجع، زوجة رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع، من أستراليا، لـ "تنبش قبور الماضي"، وتقول أمام المغتربيّن اللبنانيين، أن زوجها سمير عندما تقدم لطلب يدها من والدها إلياس طوق، وافق الأخير، موجّها كلامه إليها: "أقبل به زوجا لك، لأنه قبضاي... ودعوس الزغرتاويّة". في إشارة إلى الهجوم الذي شنته القوات اللبنانية ضدّ مدينة إهدن في 13 يونيو 1978، وذهب ضحيته آنذاك النائب والوزير طوني فرنجيّة - ( والد رئيس حزب المردة، النائب والوزير سليمان فرنجيّة) - وزوجته، وابنته، وثلاثين من أنصاره.

نكأ كلام ستريدا الجراح التي لم تندمل بعد، وأثار موجة عارمة من ردود الفعل، ومن مواقف الرفض، والشجب، والاستنكار، الأمر الذي دفع بها إلى إصدار بيان اعتذار.

ومرّت عقود طويلة على جريمة اغتيال رئيس الجمهوريّة الأسبق بشير الجميل، وعاد مجلس القضاء الأعلى لـ "ينبش قبور الماضي"، ويصدر حكما يقضي بإنزال عقوبقة الإعدام بحق الفاعل حبيب الشرتوني الذي ينتمي إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي. وعلى الأثر عمّت الاحتفالات مناطق في العاصمة بيروت ابتهاجا بالقرار القضائي، فيما عمّت مظاهر الشجب والاستنكار مناطق أخرى تصنّف الشرتوني بـ "لبطل"، وبشير بـ "العميل" لإسرائيل...

هذا غيض من فيض يؤكد بأن الحرب الأهليّة لا تزال مستعرة في النفوس، ولا تزال القلوب مشحونة بالأحقاد، والغرائز تحركها شهيّة الثأر. سنوات طوال مرّت على تسوية الطائف، لكن الأحوال لم تتبدل، ولا تزال الأمور تدار على قاعدة: "مررّ لي، كي أمرر لك".

لا أحد يتنكّر لما يجري في سوريا، وتأثيره المباشر على الداخل اللبناني، لكن العقدة تكمن في القناعات. 18 طائفة. 18 مذهبا. 18 دولة، وجمهوريّة، يفترض بها أن تتعايش على مساحة أرض واحدة لا تتجاوز ال 10452 كيلومترًا مربعًا، هي مساحة لبنان. كل طائفة تريد أن تكون الأقوى، والأقدر على التحكم بسائر الطوائف الأخرى، والسيطرة على مقدّراتها. لا بل إن الصراع قد امتد إلى الزعماء داخل الطائفة الواحدة، كلّ يريد أن يلغي الآخر، ليصل،.. ولكن إلى أين؟. إلى إدارة شؤون مقدرات دولة تعيش على عصف الأحقاد، ونبش قبور الماضي؟!.