ممدوح محمد الشمسي

هل في حنان الناس منزلةٌ

أسنى وأرفع من حنان أبِ؟!

إنه استفهام استنكاري من شاعر العربية المبدع عمر بهاء الدين (1916-1992م)، والذي يقرر فيه مكانة الأب وقيمته في أسرته، ومع أبنائه على وجه التحديد، وحقيقة الأمر أنه لطالما ارتبط مفهوم التربية بوجود الأم، فعندما نتحدث عن أبنائنا، نتحدث عن الأم مباشرة، دون أن نلقي الضوء على دور الأب في هذه التربية، وأهمية دوره في بناء شخصية الأبناء. وواقع الحال يشير في الأغلب إلى أن الأب قد يلقي على عاتق الأم مسؤولية التربية كاملة، ليس فقط لأنه مشغول بتوفير لقمة العيش، بل قد يكون عدم إدراك بأهمية وجوده في مراحل تربية أبنائه، وما يخصه في بناء شخصيتهم بشكل متوازن.

إن وجود الأب في حياة أبنائه، يعني الحماية والرعاية، يعني القدوة والسلطة والتكامل الأسري، فالأطفال بحاجة إلى أن يشعروا بأن هناك حماية ورعاية وإرشاداً يختلف نوعاً ما عما يجدونه عند الأم، وبأن الأب هو الراعي الأساسي للأسرة، وهو المسؤول عن رعيته، فوجود الأب كمعلم في حياة الطفل، يعتبر من العوامل الضرورية في تربيته وإعداده، ولنا في رسولنا الكريم خير قدوة للآباء.

بالرغم من أن الأم هي الأساس في حياة الطفل منذ الولادة، إلا أن دور الأب تبقى أهميته من نوع آخر، وذلك من خلال تقديم الحنان الأبوي، والسهر على حياة الطفل وحمايته من كل أذى، بالتواصل معه والتقرب منه، فينمو الطفل ويكبر على أسس تربوية سليمة، فالأدوار التي يقوم بها كل من الأب والأم مهمة جداً في الإنماء التربوي للطفل رغم اختلافها.

إن بعض الآباء يظنون أن دور الرجل يقتصر على تأمين السكن والملبس والمصاريف، ويعرفون مفهوم رب الأسرة بأنه ذلك الديكتاتور المتسلط الحازم في كل شيء، لكن هذا خطأ فادح، فمشاركة الأب في تربية الأبناء شيء في غاية الأهمية، لما له من تأثير قوي في شخصية الأبناء، فالأب يستطيع تحقيق التوازن الأسري، من خلال اهتمامه بأبنائه ومصاحبتهم ومعرفة أفكارهم وميولهم وهواياتهم، ويحاول أن يساعد في حل مشاكلهم، ومعرفة أصدقائهم، ويكون لهم الصديق المخلص الموجود دائماً، حتى لو كان غائباً، تبقى مبادئه وأفكاره راسخة في أذهان الأبناء، كما أن عليه إرشادهم وتقويمهم واستخدام الشدة والحزم، إلى جانب الرفق والتسامح.

إن إحساس الأبناء بوجود رادع لهم، يجعلهم على حذر من الوقوع في الخطأ، كما يجب على الأب الاقتراب أكثر من الأبناء، وتمضية الوقت الكافي معهم، وتعويدهم على أسلوب النقاش والحوار، ما يمنحهم الثقة بالنفس، وعليه أن يمنحهم الإحساس بوجود الصدر الحنون الذي يلجؤون إليه عندما يصعب عليهم حل مشاكلهم بأنفسهم.

لكن ما نشهده أحيانا في مجتمعاتنا، أن الأب أصبح دوره مجرد بنك للتمويل، يكد ويشقى لتوفير لقمة العيش والرفاهية لأبنائه، ويغيب لساعات طويلة عن المنزل، وأصبح كالضيف الذي يحل على البيت ليأكل وينام فقط، لا يعلم بما يفعله أبناؤه في غيبته، فمن المسؤول عن تهميش دور الأب؟، هل هي الأم أم الأبناء؟ أم هو الأب نفسه الذي تنازل عن دوره الحقيقي؟