بقلم - جورج علم:

أقرّت قمّة هلسنكي خريطة طريق مكلفة للعالمين العربي والإسلامي، من معالمها تجاوب الرئيس فلاديمير بوتين مع قرار الرئيس دونالد ترامب، بجعل القدس عاصمة لإسرائيل. لقد سقط تحفّظ موسكو المبدئي، وتبخّر الاعتراض الإعلامي، وحدث شيء ما قبيل القمة، وخلالها، دفع بالرئيس الروسي أن يطوي هذه الصفحة كما يريد ويشتهي نظيره الأمريكي، ومن دون تحفّظ. ثم كان قرار الكنيست الإسرائيلي بإعلان إسرائيل دولة قوميّة يهوديّة، بعد أيام من انتهاء أعمال هلسنكي، ليؤكد على جديّة هذه الخريطة التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الموافقة الروسيّة على «صفقة العصر» الأمريكيّة من دون تعديل يُذكر، مقابل إطلاق يد موسكو في ترتيب البيت السوري وفق معايير مُتفاهم عليها.

واقتصرت ردود الفعل على مواقف وبيانات عارمة بالشجب والاستنكار، فيما غابت أي حركة جديّة من جانب النظام العربي، لا على مستوى مؤسسة القمّة، ولا حتى على مستوى وزراء الخارجيّة لنقض القرار، وكأن الساحة أصبحت متاحة لتقبّل شتى أنواع التسويات التي ترسم لمعالجة الملفات التاريخيّة المصيريّة الشائكة، وفي طليعتها ملف القضيّة الفلسطينيّة، بما يتناسب ورغبات إسرائيل، وحاجات الولايات المتحدة التي تستثمر جيداً في أرض العرب، وبدماء العرب، بما يتوافق ومصالحها ومقتضيات إستراتيجيتها في الشرق الأوسط الجديد الذي بشّرتنا به بعد الزلزال الإرهابي الذي ضرب برجي نيويورك في 11 سبتمبر 2001.

وسببت ردود الفعل العربيّة نشوة عارمة في إسرائيل، لأن السلاح المُستخدم هو سلاح الكلمة، وهذا بنظر الصحافة الإسرائيليّة «سلاح قديم» لا يصيب، وإن أصاب لا يدمي، وسبق أن استخدم في مواجهات سابقة كان آخرها الإعلان المتعلق بمصير ومستقبل القدس، وكانت النتيجة مخيّبة، لأن القرار لا يكسره إلا قرار صادر عن أهل الديار، وهذا مع الأسف لم يحصل، لأن أهل الديار عندنا متخاصمون متباغضون متناحرون، خناجرهم مصوّبة نحو صدور بعضهم للتنفيس عن أحقاد مزمنة، أو عن ثارات لم يمحها تقادم الزمن.

ويبدو بعد قمّة هلسنكي بأن القافلة تمضي غير آبهة بالضجيج من حولها، وكما يصار إلى تكريس القدس عاصمة لإسرائيل رويداً رويداً، يصار أيضاً إلى تمرير قرار الكنيست الأخير كخطوة متقدّمة لتهويد المعالم الدينيّة الإسلاميّة والمسيحيّة، والخطر هذا متوقع في أي لحظة، لأن خريطة الطريق المرسومة واضحة المعالم، وتأخذ طريقها نحو التنفيذ وصولاً إلى «صفقة العصر»، وما بعدها إلى الشرق الأوسط الجديد المنهمك بصراعات فئويّة لا تنتهي إلا بعد قرون طويلة، وفق تشخيص هنري كيسنجر.

ويبدو أن قسط لبنان من هذه «الصفقة» حافل باستحقاقات دراميّة ستنعكس حتماً على تركيبته الاجتماعيّة الدقيقة، وتوازاناته السياسيّة الحساسة، ومصير ومستقبل رقعته الجغرافيّة. صحيح أنه كان السبّاق في الشجب والاستنكار لقرار يهوديّة إسرائيل، إلا أن مثل هذا السلاح القديم لا يجدي، ولا يحرّك ضميراً غافلاً، لأن المشكلة المتفاقمة عمرها من عمر نكبة فلسطين، وتعود جذورها إلى العام 1948، عندما استقبل لبنان أفواجاً من اللاجئين الفلسطينيين، تمترسوا في المخيمات، وتحولّت هذه إلى دويلات مقفلة في وجه الدولة، بانتظار حق العودة، وهذا الحق ألغاه قرار الكنيست الأخير بحيث أصبح لبنان الدولة، والمؤسسات، والشعب، أمام خطرين محدقين: خطر التوطين، ومنح فلسطينيي المخيمات حقوق المواطنة كاملة، بضغط عربي، إقليمي، دولي، وخطر تغيير ديموغرافيّة لبنان القائمة على توازنات دقيقة، حتى إذا ما اختلت، كان الإعصار الكبير؟!.

وبوادر الإعصار هذا ماثلة، حكومة لم تشكل رغم مرور نيف وشهرين على تكليف سعد الحريري، وإذا ما تمكّن من ذلك في أي وقت، فإن تأليفها لا يعني إلا بداية مرحلة جديدة من المخاض العسير المؤدّي إلى ولادة لبنان الجديد، لأن الخلافات محتدمة بين القيادات السياسيّة منذ الآن تحت عنوان ثلاثة، يخفي كلّ منها كمّاً من الصواعق القابلة للتفجير، أولها، الخلاف الجدّي حول الموقف من دمشق، البعض يريد علاقات طبيعيّة مع النظام، فيما يرفض البعض الآخر ذلك بقوّة. والثاني يتعلّق بعودة النازحين حيث يعمل حزب الله، ومن معه من الحلفاء، على إعادتهم بوسائله الخاصّة، فيما يعترض معارضوه، وهم كثر، على المبادرة، والأسلوب. أما العنوان الثالث فيتصل بتشريح الكيان اللبناني إلى كانتونات سياسيّة، أمنيّة، اقتصاديّة، إداريّة بصبغات مذهبيّة تتوافق ومتطلبات «صفقة العصر»، ومواصفات الشرق الأوسط الجديد!...

 

كاتب لبناني