بقلم /  أماني إسماعيل علي :  

الأدب هو إصلاح للمنطق واللسان والجوارح، به تتهذب النفوس، وتبتعد عن شرورها، وتكاد تماثل حاجة الطبيعة البشرية إلى آداب تصونها من نزوات طبائعها حاجتها للطعام والشراب، فبدونها لا تستقيم الحياة، ولا تنضبط، ولا تنتظم، لذلك لكل حال من الأحوال أدب يجب اتباعه، ولكل موقف من المواقف ضوابط لا بد من مراعاتها، فللحديث آداب، وللاستماع آداب، وللخلاف أيضاً آداب.

تتضمن المعاهدات والمواثيق الدولية المعمول بها حاليا، الأعراف المتبعة عند نشوب الخلافات والتوترات بين الدول، والتي تهدف إلى احتواء الأزمات والحفاظ على الاستقرار والأمن، ويعد الحوار الإيجابي أحد أهم الأساليب الفعالة لحل الخلافات بين الدول، ويعتمد نجاحه على عدة عوامل منها وضوح نقاط الاختلاف وشرعيتها، والاحتكام إلى الموضوعية والمنطق السليم، بالإضافة إلى التقيد بآدب الحوار المتمثلة في احترام الرأي الآخر، وتقبل النقد البناء.

تجاهلت دول الحصار الأعراف الدولية، وضربت بآداب الخلاف عرض الحائط، واتخذت قرارات وإجراءات تصعيدية غير مسبوقة ضد قطر بذريعة دعم الإرهاب، ورمت قطر بالحجارة مع أن بيتها من زجاج، وتنقل وزراءها بين القارات الست للتأليب والتحريض على دولة ترتبط بها بروابط الأخوة والدين، وفوق كل هذا أغلقت كل الأبواب في وجه الوساطات، وطالبت قطر بالموافقة على تنفيذ مطالب استفزازية، فماذا كان رد قيادتنا الرشيدة على دول الحصار؟

تعاملت قيادتنا الرشيدة مع الحصار بحكمة أثارت حنق دول الحصار، وتجنبت الوقوع في الفخ الذي نصب لها، فقد كان بإمكانها أن تطلب من رعايا دول الحصار مغادرة البلاد، وكان بإمكانها وقف إمداد إمارة أبوظبي بالغاز، وكان بإمكانها تسريب وثائق وتسجيلات، وكان بإمكانها توجيه وسائل الإعلام بالإساءة إلى رموز دول الحصار، وكان بإمكانها الكثير والكثير، ولكن مواقف قطر السياسية المشرفة منذ تأسيسها، وأخلاق أبناء قطر التي عرفوا بها، لا تسمح بإصدار قرارات انتقامية، ولا باتخاذ مواقف غير مدروسة.

بيت القش لا يصمد أمام العواصف القوية، لذلك حرصت قيادتنا الرشيدة على التركيز على تقوية الداخل لمواجهة التحديات الخارجية، وأصدرت تعليمات بدعم المنتج المحلي وتنويعه، وسهلت دخول رعايا الكثير من الدول إلى البلاد لجذب المزيد من الزوار والسياح، وتابعت استكمال مشاريع البنية التحتية، وفي الوقت ذاته التزمت قطر بآداب الخلاف مع دول الحصار، وكشف دبلوماسيوها عن زيف الاتهامات التي وجهت لها بأسلوب متحضر متزن بعيداً عن التشنج والوعيد.

أخيراً، دعا وزير خارجيتنا الشيخ محمد بن عبدالرحمن آل ثاني مراراً وتكراراً دول الحصار إلى الجلوس على طاولة الحوار، وأكد سمو أمير البلاد المفدى في خطابه الذي ألقاه في الحادي والعشرين من الشهر الماضي على أن الحوار غير المشروط هو حل هذه الأزمة، لكنها اختارت الاستمرار في التصعيد رغم فشلها في تحقيق أهدافها الحقيقية، وما زالت تبذل محاولات يائسة لحفظ ماء الوجه أمام شعوبها التي أوهمتها بأنها فرضت الحصار على قطر لحمايتها من مخططاتها التدميرية، لقد أعطت دول الحصار قطر درساً في ضرورة الاعتماد على النفس، وبدورها قدمت لهم قطر درساً في آداب الخلاف.