بقلم - مفيد عوض حسن علي :

منذ أكثر من مئتي عام، والمنطقة العربية تتعرض لهجوم منظم من الغرب، عسكرياً وسياسياً واقتصادياً وإعلامياً. وقد اختلفت الأساليب وتعددت في ضوء المتغيرات السياسية والمكانية والزمانية، وإن ظل المضمون الاستعماري واحداً يحقق أهدافه ضمن عمليات اختراق حادة لجبهات الحياة. فقد شهد الوطن العربي، منذ سنوات نماذج وأساليب لعمليات معرفية لاكتشاف (الحياة) و(الإنسان) تمثلت بعمليات التبشير والإرساليات والمدارس والرحالة الغربيين. وكان الهدف دراسة هذه الشعوب التي كانت تريد أن تغزوها: معرفة ثقافتها وألسنتها ولهجاتها وعلمها ودينها واقتصادها وثرواتها وأعرافها وتقاليدها. وكانت خطط الغزو تأتي نتيجة لهذه المعرفة.

إن مظاهر التبعية، كما يعتقد محمود أمين العالم، لا تزال الطابع البارز في الحياة العربية سواء كانت تبعيته للمفاهيم والقيم التي تنتسب إلى واقع الخبرة الإبداعية الغربية أو تبعية للمفاهيم والقيم السلفية الماضوية. ذلك لأن التبعية، فضلاً عن التخلف، هما الطابع النسبي الإجمالي لثقافتنا العربية الراهنة، وبخاصة العلمي منها. فالكم الهائل من طوفان المعلومات والإعلام التي دخلت المنطقة العربية، ضمن مخطط مبرمج، شكل جبهة عريضة من المعارف والأفكار والعقائد، لاختراق العقل العربي وإشاعة الأنماط الثقافية المستوردة، وذلك ضمن عمليات دعائية نفسية استهدفت غسل العقل العربي، وإعادة تشكيل الذاكرة العربية من جديد، وإيجاد الإنسان العربي النمطي. وكان الاستهداف شمولياً لجبهات الحياة العربية، مثلما كانت عمليات الاختراق واسعة لجبهات العلم والثقافة والاجتماع والاقتصاد والإعلام. ويمكن تحديد بعض مظاهر الغزو الإعلامي الدولي للوطن العربي:

ڈ أولاً: التدفق الإخباري الدولي: وهو التدفق الذي تمارسه وكالات الأنباء العالمية في عملية نقل المعلومات دولياً للمنطقة العربية، وهي تتحدد بوكالات الأنباء العربية الأربع (الاسوسيتدبرس Ap)، (يونايتدبرس انترناشيونال Upl)، (رويتر Reuters ) و(الوكالة الفرنسية Afp)، حيث تسيطر هذه الوكالات على حوالي 80% من الأخبار التي يتم توزيعها دولياً. والملاحظ أن دور هذه الوكالات الدولية في مجال التدفق الإخباري تتجه نحو صياغة مفاهيم وطرق عمل وثانياً: على (المستوى الكيفي) فإنها تقوم بعمليات تحريفية لمضامين الأخبار من خلال تركيزها على الجوانب السلبية في العالم الثالث وإبراز ظواهر الأزمات والكوارث والقتل إضافة إلى استخدامها صفات ونعوتاً تعكس وجهة النظر الغربية في الأحداث والزعامات التي تنتمي للدول النامية، وثالثاً: سيادة المعايير والقيم الأخبارية الغربية في وسائل الاتصال بدول العالم الثالث بحيث أصبحت هذه الوسائل نمطاً تقليدياً للنموذج الغربي في ما يتعلق بالأساليب والقيم الأخبارية التي ينظر من خلالها للأحداث.

ڈ ثانياً: البرامج والأفلام المستوردة: تزداد مناطق الافتراق في الوطن العربي إذا ما حاولنا تقصي الكم الهائل والطوفان الكبير للبرامج والأفلام الأمريكية والغربية لتشكل مناطق حيوية وخطرة على الأمن القومي العربي بشكل خاص. فالمنطقة العربية مازالت تعتمد اعتماداً رئيساً على ظاهرة استيراد البرامج التلفزيونية والأفلام السينمائية الغربية بشكل عام، والأمريكية بشكل خاص، فقد ظهر في تحليل أجرته اليونيسكو لمواد برامج التلفزيون أن نصف البرامج في الأقل مستورد لمصلحة الأقطار العربية وإن 70% من هذه البرامج منتج في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا ما يفسر لنا بروز الظواهر الغربية في المجتمع العربي، والمتعلقة بنقل الموضات الحياتية في الأزياء والموسيقا والأكلات السريعة. وتقليد النماذج الفردية الغربية في مجالات الفن والنجومية كنموذج (مايكل جاكسون) و(مادونا) و(الرامبو الأمريكي) باتجاه إشاعة مبدأ الفردية وتسويق الموديل الأمريكي في الحياة.

ڈ ثالثاً: تكنولوجيا الاتصال والإعلام: إن لجوء الأقطار العربية إلى استيراد السلع والتجهيزات وتكنولوجيا الإعلام والاتصال والثقافة أدى في كثير من الأحيان إلى تبعيات سلبية كثيرة في المجال الاقتصادي والاجتماعي أهمها جعل الإمكانات الثقافية والإعلامية لهذه الأقطار في خدمة مصالح رأس المال العالمي وأجهزته، وإيجاد أنماط تنموية غريبة تقود إلى أسلوب وعمل وتفكير يساعد على تعزيز الهيمنة الأجنبية وتسهيل الغزو الثقافي وكلها عوامل تهدد الأمن الثقافي العربي.