كتب: محروس رسلان ..
ظهرت على الساحة مؤخرا ظاهرة "العزوف عن الزواج" في المجتمع العربي، حيث ركزت المحاضرات التي أقامها معهد الدوحة الدولي للدراسات الأسرية والتنمية، وحضرها ممثلون لكل من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والأمانة العامة للتخطيط التنموي، ومركز التأهيل الاجتماعي "العوين" وجهاز الإحصاء، إضافة إلى ممثّلي وسائل الإعلام المحلية، على محاولة التعرف على أهم الأسباب التي أدت لهذه الظاهرة، وهو ما دفع راية الإسلام إلى فتح باب النقاش حول الظاهرة، خاصة بعد ظهور الإحصائيات الرسمية التي أجراها جهاز الإحصاء في دولة قطر، والتي تشير إلى ارتفاع متوسط عمر الزواج بين القطريات من 19.2 عام في سنة 1986 إلى 23.5 عام في سنة 2010. وارتفاع متوسط عمر الزواج بالنسبة للقطريين لأول مرة من 24.8 في سنة 1986 إلى 26.7 في سنة 2010.

بداية أكد الداعية الإسلامي الدكتور محمد حسن المريخي أن الزواج سنة الله في خلقه، حيث يقول سبحانه :"ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية"، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم:" يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج"، مشيرا إلى أن الزواج سنة المرسلين وهدي عباد الله الصالحين، وهو بناء للمجتمع وإعمار للأرض، ووسيلة للتكاثر الذي رغب فيه وحث عليه النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: "تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة".

وقال المريخي: بعد إرشاد الله سبحانه لنا وتشريعه للزواج كإطار وحيد عنده سبحانه للعلاقة بين الرجل والمرأة، يمكننا أن نؤكد أن الزواج أيضا يمثل صمام أمان المجتمعات، لأنه إذا كان الزواج شرعيا فهذا يعني قضاء للشهوة والغريزة بطريق شرعي مثمر يحفظ الله به المجتمع من الجرائم، لأن هذه الغرائز لابد أن تقضى إما بالحلال وإما بالحرام، ولذلك لم ينزعها الله عن البشر وإنما أمرهم بقضائها ولكن عن طريق الحلال.

ولفت إلى أن الزواج يقضي على الجرائم ويحقق الاستقرار النفسي بكل معانيه ويحقق للإنسان زينة الحياة الدنيا.

وأشار المريخي إلى أن عدم القيام بوصية النبي صلى الله عليه وسلم:"إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه"، ساعد في عزوف الشباب عن الزواج، وأغلق باب التيسير في وجوههم.
وأوضح الدكتور ياسر العباس استشاري المسالك البولية والتناسلية بمستشفى رويال كلينك، أن الغريزة والشهوة تمثل ضاغطا قويا على الشباب بعد سن 18 سنة، مشيرا إلى أن موقف الشباب منها إما أن يكون بالتخلص منها عبر وسيلة غير مشروعة أو عبر وسيلة مشروعة وهي الزواج أو محاولة كبت هذه الغريزة، مشيرا إلى أن الكبت يؤدي بدوره إلى كبت نفسي يفضي أحيانا إلى اضطرابات نفسية أو عضوية.

وعن أسباب عزوف الشباب عن الزواج وسبل مواجهة هذا العزوف يقول الدكتور عبد الحميد الأنصاري عميد كلية الشريعة الإسلامية الأسبق: أخالف من يقولون إن أسباب عزوف الشباب عن الزواج هي المهور، وأعلنت موقفي هذا قبل 10 سنوات، عندما أصدرت أحد كتيباتي التي تتناول هذه الظاهرة.

وأضاف: منذ 10 سنوات واللوم يلقى على المهور كسبب لعزوف الشباب عن الزواج، غير أن الحقيقة هي أن الشباب يحتاج إلى أجواء تسمح بالالتقاء بالجنس الآخر، لأن هذه هي العقبة الرئيسية.

وتابع: إن تأخر سن الزواج بالنسبة للشباب لا يرجع بالتأكيد إلى الأمور المادية، لأن الأمور المادية "مقدور عليها"، فضلا عن أن الدولة تساعد الشباب ماديا وتدعمهم، ولكن بلا شك إن عدم إتاحة الفرصة للتعرف على الطرف الآخر وفق الضوابط الشرعية هو السبب الأهم لعزوف الشباب عن الزواج.

وأكد الأنصاري أن إتاحة وتهيئة الفرص المناسبة للتعارف على الطرف الآخر في إطار اجتماعي مقبول حافز كبير يدفع الشباب إلى المسارعة في الزواج والإقبال عليه بدلا من تأجيله.

ولفت إلى أن تكاليف الزواج، إذا ما تجاوزنا المهور، مكلفة جدا وتمثل العائق الثاني أمام الشباب، فولائم الفنادق في الدرجة الأولى مكلفة جدا، إضافة إلى المستلزمات الأخرى، ولذا يرى الشاب أنه لابد أن ينتظر لحين تأهيل نفسه ماديا بعيدا عن القروض، مشيرا إلى أن إعداد بيت الزوجية نفسه بات مكلفا أكثر من ذي قبل فأسعار الإيجار بالنسبة للشقق والفيلات صارت مرتفعة جدا عما كانت عليه قبل ذلك.

وشدد الأنصاري على أهمية تذليل العقبة الاجتماعية، لأنها العامل المهم الذي يتوجب على المؤسسات المعنية والأسر تذليله.

وعن الخطاب الدعوي، قال الأنصاري: إن الخطاب الدعوي وحده لا يكفي بدون تيسيرات حقيقية للمعوقات التي تقف أمام الشباب وتصْرفهم عن الزواج، مؤكدا أن الاختيار السليم الخالي من المعوقات من شأنه أن يضمن استمرارية الزواج ونجاحه.

وطالب الأنصاري المؤسسات المعنية بضرورة وضع خطة استراتيجية لتشجيع الشباب وحثه على الزواج، وتوفير الفرص والتوعية بطرق الاختيار وتقارب التفكير والقواسم المشتركة، وفقه إنشاء الأسرة السعيدة.

وعن موقفه من إزالة المعوقات المجتمعية وطرح خطاب يتضمن مزيدا من الانفتاح في إطار مجتمعي لتشجيع الشباب وترغيبهم في الزواج قال الدكتور عبد الناصر صالح اليافعي أستاذ الخدمة الاجتماعية المشارك بجامعة قطر: إن هذا الكلام يصعب تطبيقه ويمثل خطابا للناس بلغة غير قطرية، مستشهدا بأن معظم الأفراد في المجتمعات العربية الأكثر انفتاحا ما زالوا يتزوجون بنفس الطرق التقليدية عن طريق الأم أو الأخت، مشيرا إلى أن تبني هذا الفكر لا يتناسب مع طبيعة البيئة ولا المجتمع القطري المحافظ.

وعن موقفه من نتائج جهاز الإحصاء الرسمية والتي أشارت إلى ارتفاع متوسط سن الزواج بين الشباب القطري والفتيات القطريات على حد سواء، قال اليافعي: مع كامل احترامنا لهذه الإحصائيات، إلا أننا يجب أن نعلم أن ظواهر الأمور بالمشاهدة عكس ما يقال، لأن معظم القطريات يتزوجن ما بين 18 و20 سنة، إضافة إلى أن سن 26 سنة أو 27 سنة لايعد دليلا على عزوف الشباب، لأن الشاب ينتهي من الجامعة في سن 26 أو قبلها بقليل، فهو سن مناسب، للمتوسط العام ولا يعد عزوفا.

وأكد أن العزوف معناه القدرة على الشيء والانصراف عنه، وبالتالي لا يمكننا بأي حال أن نسمي عدم قدرة الشباب عزوفا، مشيرا إلى أن حقيقة الأمر ترجع إلى أن هناك معوقات تتمثل في ارتفاع المهور ومصاريف الزواج.