بقلم : منى عبد الفتاح(كاتبة سودانية)..
عادت الأضواء مرة أخرى تنبّه إلى محرّكات تنظيم داعش واختراقها للمجتمع السوداني خاصة فئة طلاب الجامعات. فقد قام جهاز الأمن والمخابرات السوداني الخميس الماضي باستعادة طالبة جامعية استمر اختفاؤها لأكثر من أسبوع، من مدينة الجنينة الواقعة على الحدود السودانية الليبية كانت في طريقها للانضمام إلى تنظيم داعش الإرهابي.

وقبل هذه الحادثة بشهور قليلة تمّت استعادة عدد من الفتيات اللائي انتمين للتنظيم منذ ثلاثة أعوام بمساعدة جهاز الأمن السوداني. وقد ساهم انهزام التنظيم في ليبيا في الكشف عن مجموعة من الطلاب المغرّر بهم ومكّن من استعادتهم بعد فقدان عدد منهم انضموا إلى التنظيم خلال الأعوام الماضية.

هذا الوجود المشوّش وبواعثه تعود بالأذهان إلى تداخل التيارات الإسلامية في السودان وبالأخص إشارة أحد الكتب التراثية والذي يُعتبر قنديل المؤرّخين السودانيين وهو «طبقات ود ضيف الله». جاء في ذلك الكتاب أنّه حتى قيام مملكة الفونج، كان إسلام أهل السودان إسلاماً صورياً، لم يعرف طريقه إلى كثير من أمور الناس الحياتية إلّا بعد القرن السادس عشر الميلادي، وذلك بعد قدوم علماء منتمين إلى الطرق الصوفية المتعدّدة من بعض حواضر الثقافة الإسلامية.

وقد كان الارتباط الوجداني بشيوخ الطرق الصوفية كبيراً، وازداد بتقديمهم الحماية لهم من بطش الحكام وظلمهم، كما كانوا يلجأون إليهم في مناسباتهم الاجتماعية وأمورهم الخاصة والعامة. والآن يقف تديّن أهل السودان على طرفي هذين النقيضين.

 الطرف الأول هم رجال الطرق الصوفية الذين تصاعد بريق شيوخهم مرة أخرى ولمعت أسماؤهم وازدادت شهرتهم. وبقدر النأي عن وضع حكم قيمي على نجومية الشيوخ مورثّي الطريقة أو متخذيها، بقدر ما هو مهمٌّ معرفة أسباب استحضار هذه النجومية من الماضي السحيق. أما الطرف الآخر فهم المتطرّفون دينياً ويتخذون الجانب التكفيري لمظاهر تدين مشايخ الطرق الصوفية المرتبطة بمناسبات دينية، ولكل من حولهم كذلك.

بدأت أحداث التطرّف في الظهور العلني واتخاذ مظاهر الغلو والتعصب والعنف في بدايات التسعينيات من القرن الماضي أي بعد استيلاء نظام الإنقاذ على الحكم مُباشرة. وغير الأحداث التي يقوم بها شباب ينتمون إلى الجماعات السلفية تنتهي بالقبض عليهم بعد اشتباكهم مع الشرطة، كانت هناك أحداث مروعة أدت إلى الكثير من الضحايا. من أشهر أحداث التسعينيات، ما عُرفت بحادثة «الخليفي» نسبة إلى منفذّها وهو أحد العرب الأفغان الذين جاءوا في معيّة زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن إلى السودان، وأحد حرّاسه الشخصيين. ما لبث أن تمرّد الخليفي على ابن لادن وأفتى بقتله.

دخل الخليفي في فبراير/ شباط 1994م قائداً لمجموعة مسلّحة إلى مسجد بحي الثورة بمدينة أمدرمان. كان ذلك هو مسجد الشيخ أبو زيد محمد حمزة وهو الرجل الثاني في جماعة أنصار السنة المحمدية، وذلك بغرض تصفيته جسدياً وعندما لم يجدوه أفرغوا ذخيرة الكلاشنكوف في جموع المصلين ليسقط عشرات القتلى والجرحى.

ولم ينته المشهد الممتد من العاصمة الوطنية أمدرمان، فانتقل الخليفي وأعوانه إلى حي الرياض وتحديداً أمام منزل أسامة بن لادن بغرض تصفيته. ولكن الحرس الخاص لابن لادن اعترضوهم وامتد الاشتباك حتى مجيء الشرطة وتم أسر الخليفي وجماعته، ثم تم تنفيذ حكم الإعدام عليهم شنقاً.

أما الحادثة الأخرى التي تتداعى إلى ذاكرة السودانيين وما زالت تقف كأحد الأحداث الصادمة، فهي مذبحة الجرّافة والتي تمّت في ديسمبر/ كانون الأول 2000م. نفّذ المذبحة أحد جماعة التكفير والهجرة ويُدعى عباس الباقر، وهو على خلاف أيضاً مع الشيخ أبو زيد محمد حمزة السالف ذكره. تهجمّت المجموعة على المصلين في أحد مساجد مدينة أمدرمان أثناء تأديتهم صلاة التراويح. وبواسطة بنادق الكلاشنكوف قضوا على 20 مصليّاً وخلفوا 50 جريحاً ولقي عباس الباقر مصرعه في تبادل إطلاق النار مع الشرطة.

وبين قتل المصلين في المساجد، واكتشاف بعض الخلايا التابعة لتنظيم القاعدة من جهة ولجماعات التكفير والهجرة من جهة أخرى، تبرز تفجيرات البعثات الدبلوماسية والسفارات واغتيالات الشخصيات الأجنبية. كان أبرز تلك الاغتيالات مقتل الدبلوماسي الأمريكي جون مايكل غرانفيل وسائقه السوداني عبد الرحمن عباس والتي حدثت في ليلة رأس السنة عام 2006م، نفّذ العملية محمد مكاوي وعبد الرؤوف نجل الشيخ أبو زيد محمد حمزة، الاسم الذي ظل يتردّد في كل هذه العمليات. تم القبض على قاتل غرانفيل وصحبه من جماعة «أنصار التوحيد» ولكنهم فرّوا فيما بعد من سجن كوبر شديد التحصين في عملية «كسر القيود» الشهيرة، تاركين استفهامات كبيرة حول من يسّر لهم طريق الهروب حتى يلتحقوا بكتائب المُجاهدين بالصومال ومالي.

المطّلع على تفاصيل هذه الأحداث يكاد يجزم بأنّ هذه الجماعات هي نسخ مبكّرة من تنظيم داعش في تكفيره للجميع، حتى أتى اليوم الذي مثّل فيه ضحايا داعش من طلاب الجامعات حلقة نارية في سلسلة العنف الأرعن.