بقلم / إيمان عبد الملك - لبنان  :

تميزت مجتمعاتنا العربية بالتقارب والمحبة والترابط العائلي، إلى أن غزا عالم التكنولوجيا بيوتنا وجعلنا ننسى تقاليدنا وعاداتنا المحببة التي تميزنا بها عن بلدان الغرب، مما افقدنا شعورنا بالتلاحم والترابط والعادات الاجتماعية التي تتميز بها العائلة كالجلوس حول المائدة في الصباح، أو السهر والسمر حول الموقد في ليالي الشتاء الباردة وشعورنا بالدفء والمحبة فيما بيننا. في حين دخل علينا المجتمع الافتراضي ونجح في تفرقتنا، شتت أفراد العائلة الواحدة ليصبح لكل منّا اهتماماته وشؤونه الخاصة داخل شاشة الكمبيوتر أو الجوال المحمول، لقد ساهم في إهدائنا باقة من الأصدقاء مختلفي الثقافات من جميع البلدان، لكنه حرمنا من الشعور بالدفء مع أهلنا والإحساس بوجودهم حولنا.

المجتمع الافتراضي ربط الناس من جميع أنحاء العالم وحطم الحدود الجغرافية، وفرّق الأواصر العرقية والقبلية حتى الدينية، لنجد بأن الكل يتفاعل بالحديث عبر وسائل الاتصال ومواقع التواصل الاجتماعي وهذا ما جعلنا ننسى ماضينا وتاريخنا ونتعرف على عادات وتقاليد بعيدة كل البعد عن مجتمعاتنا.

إنه نظام اجتماعي تكنولوجي فرض علينا، استقبلناه بإرادتنا لنتكيف مع العصر الحديث وهذا ما جعلنا نتساءل عن طبيعته ووجوده ودخوله بسهولة إلى بيوتنا ليخترق أسرارنا، دون أن نتحقق من حقيقته وغايته وعن الأسباب والجهة التي زرعته داخل عقر دارنا، فبالرغم من الاستفادة الأدبية والعلمية والفنون التي تساعدنا على التقدم، نجده أحيانا مضيعة للوقت خاصة عندما تكون الاهتمامات تافهة نهدر من خلالها أوقاتنا مما يحد من تقدمنا ويبعدنا عن تنظيم حركة حياتنا وعلاقاتنا الإنسانية.

هناك ظهور شخصيات افتراضية في جميع الفئات العمرية على صفحات التواصل الاجتماعي، أحيانا تكون رغبة الفرد للهروب من الواقع الحالي الصعب، إلى واقع افتراضي سهل جدا، يعود ذلك لعدم قدرة الإنسان على تحقيق ذاته فيقوم بتقمص شخصية افتراضية تعبر عن شخصية يرغب في الوصول إليها، وهذا مؤشر خطير لوجود هذا النوع من الشخصيات غير الواقعية نصل من خلالها إلى شيزوفرينيا النت، لتبقى شخصية سرية لدى الإنسان تستمر معه عمرًا طويلاً، تتحول الشخصية الافتراضية تلك إلى شخصية واقعية سلبية قد تؤذي نفسها وغيرها، ويكون أثرها خطيراً على الناس والمجتمعات ككل.

مهما حاولنا الاندماج في المجتمع الافتراضي يبقى هناك ارتباطات من الصعب تفاديها كعلاقة الأمومة والأبوة لأن الحياة البشرية بحاجة لشعور حسي وتفاعل بعيدا عن التقنيات التي تمتزج فيها المشاعر والمصالح والأعراف الاجتماعية ويصعب دمجها في مجتمعاتنا الواقعية التقليدية .