برلين -  الراية : سنحت الفرصة لنائب المستشارة الألمانية وزير الاقتصاد والطاقة ورئيس الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني، زيجمار جابرييل، أن يلتقط أنفاسه بعيداً عن وجع الرأس والأخبار السيئة التي تلاحقه منذ وقت، خاصة بعد نجاح حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي، في دخول ثلاثة برلمانات في ألمانيا في مارس الماضي، وحصوله في ولايتين هما "بادن فورتمبيرج" في جنوب البلاد، و"زاكسن - أنهالت" في الشطر الشرقي، على أصوات أكثر من الحزب الاشتراكي الذي كان منذ تأسيس ألمانيا عام 1949، ثاني أكبر حزب يحظى بشعبية في ألمانيا بعد الحزب المسيحي الديمقراطي.

 

تدني شعبية جابرييل

بالإضافة إلى الانتقادات المتواصلة للحكومة الألمانية بسبب فشلها في حل أزمة اللاجئين، لكن أسوأ الأخبار من وجهة نظر جابرييل، هي التراجع الطارئ على شعبية حزبه وتدني قبوله كمرشح لمنافسة ميركل على المستشارية في العام القادم، واحتمال انتقاله إلى صف المعارضة بعد الانتخابات العامة في العام القادم.

ووفقاً لعملية استقراء للرأي تمت لحساب التلفزيون الألماني "زد دي أف"، تتراوح نسبة تأييده بين 22 و19 بالمائة، فيما يتنبأ العديد من المراقبين بأنه إذا قاد جابرييل حزبه ضد ميركل في الانتخابات القادمة، سيحصل الحزب على أسوأ نتيجة في تاريخه.

 

زيارة مثيرة للقاهرة

وقد قام جابرييل بزيارة القاهرة مؤخراً على رأس وفد اقتصادي كبير، رغم التقارير التي تتحدث عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، لكن المشكلة التي تواجههم في مصر متعددة، أولا: تعاني مصر من مشكلات مالية، ثانيا: تشكو البلاد من عدم الاستقرار، ثالثا: الاقتصاد ضعيف والاستثمارات الخارجية ما زالت تصطدم بعراقيل بسبب البيروقراطية. بالإضافة إلى أن الجيش ما زال يهيمن على الاقتصاد ويعرقل الإصلاحات.

لكن الحكومتين الألمانية والمصرية اتفقتا خلال زيارة السيسي إلى برلين مطلع يونيو 2015، بعد عامين من الجفاء بين القاهرة وبرلين بسبب وصول الإخوان المسلمين إلى السلطة، على توثيق العلاقات الاقتصادية. وبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين في العام الماضي 5,2 مليار يورو. وأعربت برلين عن استعدادها لمنح ضمانات للشركات الألمانية التي تنفذ مشاريع في مصر.

وتعتبر السياحة أهم عامل في تعزيز الاقتصاد المصري خاصة وأن الألمان هم أبطال العالم في السفر، وفي ضوء التفجيرات التي تجري بين وقت وآخر في تركيا، فإن مصر، هي بديل مفترض بالنسبة لهم، لولا استمرار توتر الأوضاع الأمنية في منطقة الشرق الأوسط، مثل الحرب في سوريا، وانتشار تنظيم داعش في ليبيا، وتسرب مقاتليه إلى شبه جزيرة سيناء، وتفجير الطائرة الروسية التي كانت تقل سياحاً روساً ثم خطف طائرة ركاب إلى قبرص.

 

زلة لسان

وحسب أقوال أعضاء في الوفد الألماني، تم الحديث حول الأوضاع الأمنية، وإمكانية مساهمة ألمانيا في تحسينها، مثل بيع مصر 4 غواصات حربية من إنتاج ألماني، ومعدات تساعد سلطات الحدود المصرية في حماية الأراضي ومنع تسلل المقاتلين للعبث بأمنها من ليبيا وأي مكان آخر، لكن برلين أكدت أنها لا تعتزم بيع مصر دبابات أو بنادق، كي لا يتم استخدامها ضد المتظاهرين أو في مواجهة عسكرية يوماً ما مع إسرائيل.

وكان يُفترض أن تتم الزيارة دون ردود فعل واسعة لولا أن زلة لسان، ساهمت في قلب الأمور رأساً على عقب.

 

انتقادات المعارضة

عودة قصيرة إلى الوراء، فقد صرح جابرييل بعد استلامه منصبه في نهاية عام 2013، أنه سيكون وزير اقتصاد من نوع آخر، وقال إنه سيعير أهمية قصوى لحقوق الإنسان.

غير أن الموقف الذي أعلنه في القاهرة ودافع عنه لاحقاً بعد سماعه انتقادات المعارضة الألمانية ومنظمات حقوقية، يتعارض تماماً مع المبادئ التي ذكرها في السابق.

فبعد اجتماعه مع الرئيس المصري المثير للجدل، عبد الفتاح السيسي، قال جابرييل للصحفيين المصريين عبارة كان ينبغي عليه التفكير مرتين قبل أن ينطقها وكانت "أعتقد أن لديكم رئيس مثير"!

 

الانتهاكات في مصر

من الصعب على المتتبعين للتطورات في مصر منذ استلام الحكومة الانقلابية السلطة، فهم ما ذكره المسؤول الألماني. وعلى العكس من موقف جابرييل، فإن منظمات غير حكومية ونقابات وتقارير صحفية من مختلف أنحاء العالم، تتحدث منذ وقت بعيد عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، ودور أجهزة الأمن في قمع المظاهرات وظاهرة خطف الناشطين سياسياً أو المشتبه بأنهم يعارضون النظام، واختفاء آثار الكثير منهم، كما ما زالت قضية تصفية طالب إيطالي كان يعد أطروحة الدكتوراه عن العمل النقابي في مصر، تتفاعل سياسياً وإعلامياً على مسار العلاقات بين روما والقاهرة، حيث هناك اعتقاد بأن أجهزة الأمن المصرية، عذبته حتى الموت ثم رمت جثته على طرف أحد الشوارع وراحت تنسج الروايات حول أسباب وفاته، لتبعد الشبهة عن السلطات المصرية.

 

تعذيب المعارضين

وقال تجيم أوزدمير، رئيس حزب الخضر المعارض: لا أدري ما الذي جعل جابرييل يعرب عن إعجابه بالسيسي ويصفه بأنه شخصية ملفتة للأنظار، هل تعذيب المعارضين أم اضطهاد المواطنين المصريين، أم إجبار الجمعيات الألمانية العاملة في القاهرة على إغلاق مكاتبها؟

غير أن الحكومة الألمانية لم يرق لها هذه الانتقادات، خاصة وأن جابرييل كان قد بحث موضوع الزيارة مع المستشارة ميركل، التي تؤيد التقارب بين برلين والقاهرة تحت حكم السيسي، وذلك لأنها تعتقد أن ألمانيا وأوروبا بحاجة لرئيس يحكم بقبضة من حديد في المنطقة، يعمل أولا في وقف انتشار داعش في ليبيا، ثم منع تدفق اللاجئين من أفريقيا والشرق الأوسط عبر البحر إلى إيطاليا، بعدما أصبحت هذه الطريق الرئيسية لهم للوصول إلى أوروبا عبر إيطاليا واليونان، بعدما تم إغلاق ما يعرف بطريق البلقان التي كان يستخدمها اللاجئون بعد الوصول إلى اليونان لمواصلة رحلتهم إلى أوروبا عبر مقدونيا والمجر وسلوفينيا.

فقد صرح شتيفين زايبرت، المتحدث باسم الحكومة الألمانية، أن لألمانيا مصلحة كبيرة في تحقيق استقرار اقتصادي في مصر، وعلى الرغم من انتقادات النظام في القاهرة بسبب انتهاكات حقوق الإنسان، فإن مصر لها أهمية استراتيجية هامة جداً في تحقيق الاستقرار في ليبيا ومنع تحولها إلى دولة فاشلة. فهل المشاريع أهم من حقوق الإنسان؟

 

انتقادات للقضاء المصري

الرأي العام الألماني له رأي آخر غير رأي حكومته فبعد ساعة على نشر خبر الحكم الجائر يوم السبت الماضي بحق ثلاثة صحفيين من قناة الجزيرة، كتب مدونون ألمان على موقع صحيفة "دي تسايت" الألمانية، ينتقدون القضاء المصري بشدة.

وكتب المدون تحت اسم "ألفرد جوزف" يقول إن قناة الجزيرة توفر معلومات من أنحاء العالم، واتهامها بالتعاون مع الإخوان جائر، والقضاء المصري مسيس وليس نزيها، وهو يعمل حسب مزاج الحكومة الانقلابية.

أما المدون تحت اسم "سانت أكسوتيدوس" فكتب يقول: حبذا لو يقول زيجمار جابرييل رأيه بالسيسي بعد هذا الحكم، وهل ما زال يعتقد أن السيسي رئيس مثير؟

أما المدون نورج3 فكتب يقول: الحكام الاستبداديون لا يفهمون التعامل مع الصحافة الحرة، لذلك ندعو الحكومة الألمانية إلى استدعاء السفير الألماني في القاهرة، ووقف السياحة إلى مصر.

 

موقف غير مسؤول

ومن وجهة نظر المراقبين فإن الموقف غير المسؤول الذي صدر عن المسؤول الألماني في القاهرة، يعتبر خيبة أمل للمعارضين والمضطهدين وضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في مصر. كما يعتبر رسالة إلى السيسي ونظامه مفادها، مهما خالفتم حقوق الإنسان، فإنه لا يضيركم شيء، ولن تتعرضوا لعقوبات، لا من ألمانيا، ولا من الاتحاد الأوروبي.