كتب - نشأت أمين:

أكد فضيلة الداعية د.محمود عبدالعزيز يوسف أنه يجب على الإنسان أن يتحرّى جيداً وهو يبحث عن الفتاوى، وأن يعرف شخصية من يسأله ليقع على الصواب، ويخرج من التبعة فيما يسمعه من هذه الفتاوى وبصفة خاصة تلك التي يتم تداولها عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي أو الفضائيات.

وقال إن البعض يظن عن جهل أنه سيخرج سالماً من المسألة إذا جعل بينه وبين النار عالماً، وأنه ليس عليه لكي يخرج من الحرج إلا أن يعلق هذه المسألة برقبة مُفتٍ من المفتين، وإن لم يكن ذلك الشخص أهلاً للفُتيا.

وشدّد د.محمود عبدالعزيز في محاضرة عن «التحذير من تتبع الرخص» على أنه ينبغي على الإنسان أن يعلم أن الحق واحد في المسائل المختلف فيها، وأنه مهما أفتى الناس، ومهما قالوا في هذه المسألة من التحليل، وأوردوا من الأدلة فإن ذلك لا يغيّر من حقيقة الحكم شيئاً.

تطور وسائل الاتصال

وأضاف د.محمود: لقد عشنا برهة من الزمن والناس يرجعون إلى أقوال علمائهم ويستفتونهم فيما وقع لهم من المسائل العارضة والمستجِدة، ثم يأخذون بما أفتوهم به، على اختلاف طبقات هؤلاء السائلين والمستفتين.

وأضاف: إلا أنه قد فُتح على الناس باب لربما يكون ضرره عليهم أعظم من النفع الذي يجنونه، وذلك أنه لما تطوّرت وسائل الاتصال وصار الناس في العالم أجمع يسمعون قول القائل، ويتعرفون على فتوى المفتي في مشارق الأرض وفي مغاربها، صار الناس يتناقلون هذه الأمور، وصار البعض يتسابق في نشر فتياه وما يعتقده وما يقرّره عبر هذه الوسائل الإعلامية التي يراها الصغير والكبير، الرجل والمرأة على حد سواء.

التسهيل والتيسير

وأوضح أنه لما كانت الأهواء غلابة فقد ظهرت طائفة ممن يتصدر للكلام في مسائل العلم والدين والفُتيا والحلال والحرام، فيفتي الناس بحسب أهوائهم وأمزجتهم، وبحسب ما يروق لهم بدعوى التسهيل والتيسير فأعجب فئات من الناس بمثل هؤلاء، وصاروا أتباعاً لهم، يدافعون عنهم أشدّ المدافعة، بل لربما تنقصوا العلماء الذين لزموا كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، واستمرّوا على الجادة الصحيحة التي تنضبط بها الفُتيا.

وقال إنه لما كانت هذه الفتاوى تصل إلى جميع الناس عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي والفضائيات وغيرها من الوسائل فقد صار خطر ذلك على الناس عظيماً ومهدداً بالانسلاخ من الدين، مشيراً إلى أنه قد صاحَب ذلك أن ظن كثير من الجهال أن الإنسان يخرج سالماً من المسألة إذا جعل بينه وبين النار عالماً، وأنه ليس عليه كي يخرج من الحرج إلا أن يعلق هذه المسألة برقبة مُفتٍ من المفتين، وإن لم يكن أهلاً للفُتيا، وإنه بذلك يكون قد بريء الساحة، ولا يلحقه ذم ولا عتاب ولا مؤاخذة.

وتابع: ينبغي أن نعلم أن الحق واحد في المسائل المختلف فيها، وأعني بالخلاف هنا خلاف التضاد، هذا يقول: حرام، وهذا يقول: حلال، هذا يقول: يجوز، وهذا يقول: لا يجوز، هذا يقول: واجب، وهذا يقول: مباح.

وأكد أن الحق في ذلك واحد عند الله تبارك وتعالى، فمهما أفتى الناس، ومهما قالوا في هذه المسألة من التحليل، وأوردوا على قولهم من الأدلة فإن ذلك لا يغيّر من حقيقة الحكم شيئاً.

وأشار إلى أنه لذلك وجب على الإنسان أن يتحرّى الصواب، وأن يعرف من يسأل ليقع على الصواب، أو ليخرج من التبعة

ولفت إلى أنه ما دام الإنسان يعرف أن الحق واحد فإنه ينبغي عليه أن يبحث عن هذا الحق فإن أصابه فالحمد لله، وإن أخطأ فالله عز وجل غفور رحيم، مضيفاً إن من سأل من هو أهلٌ للفُتيا فأفتاه ولم يقع على الصواب فهو معذور عند الله تبارك وتعالى. ونبّه إلى أن البلية أن يسأل الإنسان من ليس أهلاً للفُتيا، أو أن يسأل من يعلم أنه يوافق هواه في هذه المسألة فيكون متتبعاً للرخص.

الانسلاخ من الدين

وبيّن د.محمود أن تتبع هذه الرخص يؤذن بالانسلاخ من الدين، مشيراً إلى أن الله عز وجل حينما وضع هذه الأحكام الشرعية، وطالبنا بالعمل بها، وأن نجري على مقتضاها إنما أمرنا به لحكمة؛ لأن هذه الأحكام التي يأمرنا الشارع بها مشتملة على حكم عظيمة فإذا تتبعنا الرخص وقعنا في عملية مسخ، وخرجنا من هذه الحكمة التي وضع الله عز وجل الأحكام لتثبيتها وتقريرها فصار فعلنا بذلك نوعاً من الانفلات من حكم الشريعة، وصار الإنسان بهذا العمل متتبعاً للرخص، أي متتبعاً لهواه هذه واحدة.

حكم الشريعة

وأشار إلى أن الشريعة من حيث العموم والإجمال قد وضعت على خلاف داعية الهوى، فإذا التبس عليك أمر فانظر إلى الهوى أين يتجه ؟ فغالباً تجد أن حكم الشريعة مخالف لداعية الهوى؛ لأن الشريعة إنما وضعت لانتشال المكلف وانتزاعه ورفعه من داعية هواه ليتخلص من رق الهوى، ومن عبادة النفس والشيطان إلى عبادة الملك الديان جلّ جلاله.

وأضاف: هذه قضية أصليّة، فإذا كان الإنسان متتبعاً للرخص فهو في الواقع يدور مع هواه حيث دار، وصار مخالفاً لقصد الشارع بوضع الشريعة، وبتكليفه بها، أي أن الشارع قصد انتشال المكلف من داعية الهوى، فإذا تتبع الإنسان الرخص صار دائراً مع هواه حيث دار.

وزاد د.محمود عبدالعزيز بالقول: إن تتبع الرخص مؤذن بسقوط التكاليف، فهذا الإنسان الذي يتبع الرخص ينظر في كل مسألة ما هو الأخف؟ وما هو الأيسر فيفعل هذه الأشياء فيكون ذلك سبباً في سقوط التكليف أصلاً. وأكد أن العلماء قد أجمعوا على أن من تتبع الرخص فهو فاسق.