بقلم - وجدان الجزيرة:

(١-٢)

تطالعنا الصحف من حين إلى آخر بأخبار حوادث وقضايا تتعلق بالعنف الأسري.. الزوج ضد زوجته.. والوالدان ضد أبنائهما أو العكس.. الأشقاء فيما بينهم.. ضرب واعتداءات جسدية.. وحروب نفسية وعائلية.. ونزاعات عائلية تصل إلى المحاكم.. هناك اتفاق عدد كبير من علماء الاجتماع على تعريف العنف الأسري بأنه شكل من أشكال الاستخدام غير الشرعي للقوة قد يصدر عن واحد أو أكثر من أعضاء الأسرة ضد آخر أو آخرين فيها.. بقصد قهرهم أو إخضاعهم بصورة لا تتفق مع حريتهم وإرادتهم الشخصية ولا تقرها القوانين المكتوبة أو غير المكتوبة.. وإذا بحثنا عن مظاهر العنف وأشكاله يتبين لنا أن العنف الأسري يتخذ أشكالاً متنوعة من السلوك الذي يعبر عن حالة انفعالية تؤدي إلى إيقاع الأذى أو الضرر بالآخر.. سواء أكان هذا الأذى جسدياً أم معنوياً أم تربوياً أم اقتصادياً أم جنسياً.

ثمة أسباب كثيرة تقود إلى العنف الأسري، منها الضغوط الاقتصادية.. ضعف الروابط العائلية.. اختلاف الثقافات بين الزوجين.. الخلافات الزوجية الناجمة عن غياب التفاهم بين الزوجين.. وقد يكون أحد الزوجين قد نشأ على العنف وتربى عليه فيتقمص الأبناء شخصية آبائهم.. القيم والمعايير الثقافية السائدة التي تحدّد أدوار الذكور والإناث وتعطي السلطة والنفوذ للذكور.. وبالتالي يعتبر العنف الممارس ضد المرأة سلوكاً غير معلن إلا بصورته القصوى وهي العنف الجسدي.. ومن ضمن الأسباب أيضاً والتي تقود إلى العنف الأسري أيضاً هي الأسباب النفسية.. منها ضعف شخصية ربّ الأسرة وعدم وجود تفاهم بين أفرادها.. الانحرافات والاضطرابات والأمراض النفسية لدى أحد أفراد الأسرة.. وعدم قدرة أحد أفراد الأسرة على التوافق والنجاح في علاقته بالآخرين.. أو شعوره بالتعالي والغرور والشك الذي قد يدفعه إلى السلوك المتسم بالعنف تجاه المحيطين به. خبرات الطفولة المعنفة لدى الرجل ترسخ لديه طرقاً غير سوية للحصول على ما يريده بالقوة.. وهو ما يولد في نهاية المطاف شخصية عدوانية.. فيمارس عنفه علانية من دون خجل.. خبرات الطفولة المتراكمة لدى الفتاة التي تتعرض للعنف داخل الأسرة تنمي لديها معتقدات وسلوكيات خاطئة.. تصبح بمرور الزمن جزءاً من شخصيتها.. فتنشأ ذات شخصية مستسلمة.. هشة.. ضعيفة.. عاجزة.. تستسلم للمعاملة القاسية بدلاً من مواجهتها.. لأنها تشعر بالعجز عن القيام بذلك.. إصابة أحد الزوجين بمرض نفسي.. ومن الأسباب التربوية.. عدم تهيئة الزوجين لتحمل مسؤوليات الزواج وتكوين أسرة.. الأمر الذي يؤدي إلى تراكم المشاكل الزوجية من دون الوقوف على أسبابها وإيجاد علاجها.. هذا التراكم يسلم في النهاية إلى العنف.. كذلك رفاق السوء.. تعاطي الكحوليات والمخدرات سرعة الغضب.. الحاجة المالية.. غياب الوازع الديني.. ومن الأسباب الأخرى التي تقف وراء ظاهرة العنف الأسري.. غياب اختلاف المفاهيم التربوية.. هناك من يرى أن التربية تكون بالعصا والكلمة القاسية.. وهناك من يرى عكس ذلك تماماً.. بينما يرى آخرون أن من الأفضل الجمع بينهما.. ولا يزال الأمر سجالاً بينهما.. ولكن هذا الاختلاف قد يسبب شقاقاً داخل البيت الواحد ويسمح للعنف الأسري بأن يجد مسوغاً لوجوده في بيئة ليست قادرة على التوحد في المنهج التربوي.

وأيضاً من ضمن الأسباب القوية التي ساعدت على انتشار العنف الأسري وتعد بمثابة المقام الأول من قائمة تلك الأسباب وسائل الإعلام التي غذت عقول الناس بأنماط مختلفة من العنف من خلال ما تبثه من برامج وأفلام ومسلسلات تعمل على الترويج لكل أساليب العنف مما يجعل هذه السلوكيات العنيفة مقبولة وغير مستنكرة أو مستهجنة.. وتصبح عادية بالنسبة إلى الكل وممارستها لا تستوجب الرفض أو الإدانة..

وأسباب أخرى عديدة تقود إلى العنف الأسري مثل عدم العدل بين الزوجتين في حال التعدد.. حيث إن عدم العدل يؤدي إلى الكراهية والبغضاء والعنف بين الإخوة.