يامن دفع 5 آلاف يورو لأحد السماسرة ليساعده في الحصول على شقة

برلين - هاف بوست عربي: ينهي باسل يوم عمل متعباً، يقضيه واقفاً ست ساعات متواصلة أمام سيخ من الشاورما، وعوضاً عن أن يتطلع للعودة إلى مسكنه والاسترخاء، تنتابه رغبة بالتوجه إلى أي مكان آخر، فمنذ أكثر من ثلاثة أعوام ونصف العام يعيش مع زوجته في غرفة داخل مسكن مؤقت للاجئين في برلين، لا تتجاوز مساحتها بضعة أمتار مربعة، يتشاركان الحمام والمطبخ مع العشرات غيرهم في الملجأ.

يقول: ليست لدينا أي خصوصية، وبعد أكثر من ثلاثة أعوام فإن الأمر يصبح متعباً، ويتذكر أيام كان يعيش في دمشق في منزل عائلته الكبير، ويشعر بشيء من الحنين ويضيف: أوضاعنا كانت ممتازة في الشام، ولكن الآن لا مجال للعودة.

البحث عن مسكن في برلين مهمة شبه مستحيلة بالنسبة للاجئين، فالمدينة تعاني أصلاً من نقص حاد في الوحدات السكنية، وتشير التقديرات الرسمية إلى الحاجة لبناء ما يقارب الـ300 ألف شقة لتلبية حاجات العاصمة، وفاقمت موجة اللجوء عام 2015 التي شهدت وصول حوالي مليون لاجئ من سوريا، هذه الأزمة.

ومراكز اللجوء التي من المفترض أن تكون مؤقتة بالنسبة للواصلين الجدد، تتحول إلى مساكن دائمة، ويقول باسل: يحاول مركز اللاجئين أن يساعدنا بإيجاد بيوت ننتقل إليها بعد أن نتسلم أوراقنا، ولكن قليلاً ما ينجح.

عشرات المرات تلقى باسل اتصالاً من المركز للذهاب ومعاينة شقة، وعندما يصل يجد 50 آخرين موجودين للهدف نفسه، وفي النهاية يقرر المالك أن يؤجر الشقة للألماني وليس له.

الأمر لا يتوقف على أزمة الشقق الفارغة فقط، بل أيضاً التمييز ضد الأشخاص القادمين من خلفيات مهاجرة، وعلى نحو خاص أصحاب الأسماء العربية والتركية.

فقد أجرت شبكة «بايرشر روندفونك» (BR) العامة و»شبيجل» بحثاً عن سوق تأجير السكن، حيث أرسل صحفيو وسيلتي الإعلام المذكورتين قرابة 20 ألف طلب استئجار بشكل أوتوماتيكي في 10 مدن ألمانية على مدار أسابيع، لأصحاب إعلانات تأجير، ووصلهم 8 آلاف رد، وتبين لهم أن ذوي الأسماء العربية والتركية تم تجاهلهم عند طلب معاينة الشقة، في واحدة من كل 4 حالات تم توجيه الدعوة فيها لألماني.

مورو شاب سوري هو الآخر لم يكن متفائلاً ولم يتردد بتسمية الأمور بأسمائها قائلاً: نعم هناك تمييز، فهو يعيش في غرفة بنزل بأحد ضواحي برلين، يتشاركها مع اثنين آخرين منذ عام ونصف العام وأرسل ما يقارب الألف رسالة إلكترونية منذ بداية العام بحثاً عن شقة، ودائماً تأتي الإجابة عذراً الشقة مأخوذة. يتوجه أحياناً مع صديق إلى أحد أماكن تأجير المنازل، فيدخل منفرداً ويسأل عن شقة لشخص واحد، يقولون له عذراً ليست لدينا إلا شقق لعائلات ثم يخرج ويدخل صديقه ويسأل عن شقة لعائلة يقولون له عذراً، المتوفر فقط شقق لأفراد.

شارفت إقامة مورو في النزل على نهايتها مع انتهاء العقد، وقد طلب منه المغادرة، ويقول إن مركز اللاجئين عاجز عن مساعدته بإيجاد مسكن، كما أن مساعي عام كامل تقريباً بالبحث عن منزل لم تؤت ثمارها بعد.

ومع فشل مساعي هذه المراكز بمساعدتهم، يضطر بعض الباحثين عن منازل للتوجه إلى سماسرة يطلبون مبالغ باهظة للمساعدة.

قصة يامن، لاجئ سوري وصل قبل عامين، ربما تختلف قليلاً فقد اضطر لدفع مبلغ 5 آلاف يورو لأحد السماسرة ليساعده في الحصول على شقة، ويشرح : لم أكن أملك المبلغ ولكن اضطررت للاستدانة، كان عليّ إخراج عائلتي من الملجأ.

وعدد كبير من هؤلاء السماسرة، بحسب رواية اللاجئين السوريين، هم من الألمان العرب، يقول أحد اللاجئين عندما قدمنا ظننا أن العرب الموجودين هنا قبلنا سياعدوننا، ولكن تبين أنهم هم من يحاولون الاستفادة منا أكثر من الألمان. ومع ذلك، فإن الخيارات تبدو محدودة للرافضين استخدام خدمة هؤلاء السماسرة.

محمد شاب ثلاثيني، يعمل في متجر في قلب برلين، ويعيش في منطقة تبعد ساعتين بالقطار. يقول: أقضي 4 ساعات في العمل، و4 ساعات في المواصلات، ولكن لم يكن لدي خيار، لدي 5 أولاد وكان لا بد من أن يستقروا ويدخلوا المدارس. البعض حتى، رغم أنهم قلائل، يجدون أنفسهم في الشارع لأيام وأسابيع، ومنهم وائل، الذي وجد نفسه خارج النظام بعد انتقاله من مدينة إلى أخرى ورفض مراكز اللجوء استقباله لنقص الأماكن. قضى في النهاية 3 أشهر، بين نزل رخيصة أو مفترشاً الأرض في منازل معارف، وحتى مقاعد الحدائق العامة، وفي النهاية وجد وائل غرفة يتشاركها مع أشخاص آخرين، ولكن الأثر النفسي لهذه التجربة، يقول إنه لن يفارقه أبداً.

سعاد عباس، وهي رئيسة تحرير صحيفة أبواب التي تعنى بأخبار اللاجئين في ألمانيا، تقول إن هناك مشكلة سكن حقيقية في برلين، وربما بعض التمييز تجاه اللاجئين، ولكن قلائل يجدون أنفسهم مشردين من دون مأوى، الغالبية تبقى في مراكز اللجوء حتى إيجاد مسكن. ولكن بالنسبة للكثيرين، فإن هذه الملاجئ، بضجيجها ونقصها للخدمات والخصوصية، محبطة للغاية. ورغم أن رئيس نقابة المساكن، روبرت فايجر، دعا المؤجِّرين في وقت سابق بأن يتخذوا قرار التأجير بالاعتماد على الثقة، لا وفقاً للأسماء أو التبعية لدين معين، مشيراً إلى أن قانون منع التمييز يحظر التمييز ضد الأجانب في تأجير المنازل أيضاً، لكن لم يتم الاستجابة له.