بقلم - ضحى علوان: كم أشعر بالحزن كلما فكّرتُ أن كل هذه المرحلة التي نعيشها في هذا العالم الآن ببؤسها وحروبها وصراعاتها وأزماتها الإنسانية والأخلاقية سوف تكون مجرّد كلمات منتظمة مرتّبة ملخّصة في سطرين في كتاب تاريخ ما لهذه الحقبة، تمرّ عليها الأجيال اللاحقة مرور الكرام، أو تحفظها من أجل اختبار ما في مادة التاريخ أو السياسة، ثم سرعان ما تنساها وتتجاوزها، كل هذه القصص والحكايات التي اختبأت في الخيام والبيوت المهدمة والسجون والمعتقلات والمنافي والملاجئ ونومنا وصحونا عليها سوف تزول، وكل المشاعر الإنسانية الصعبة التي مررنا بها وسط الخراب سوف تُمحى، وستُنسى كأن لم تكن، بلا أدنى إشارة لساكنيها.

كل ذلك سوف يكون عبارة عن صفحات يسيرة تتحدث عن مرحلة تاريخية من مراحل عمر العالم، كمرحلة الهولوكوست، ومرحلة التهجير الفلسطيني، ومرحلة تشريد الهنود الحمر عن مواطنهم الأصلية، ومرحلة قنبلة هيروشيما النووية، والحروب العالمية الكبرى، وحرب العراق، وأفغانستان، والشيشان، والبوسنة والهرسك.

يا تُرى كم ألف حكاية وحكاية اختبأت في ثنايا هذه المجازر ولم تذكرها كتب التاريخ؟ كم ألف دمعة ودمعة انهمرت على وجوه المظلومين في هذه الكوارث ولم تكترث بها المراجع؟ كم دعوة مظلوم ارتفعت إلى السماء ولم تكتبها الأقلام؟ كم ألف طفل كعمران سقط عليه سقف منزله؟ وكم ألف طفل كإيلان غرق أثناء لجوئه؟

من سيخلّد لحظات الهلع التي قضاها الهاربون من بورما، ومن سيكتب عن كل ثانية تمرّ كساعة من الدهر عند المعتقلين في السجون؟ ومن سيؤلّف سيمفونية أصوات الصواريخ التي نام عليها أهل غزة؟ ومن سيمثّل حالة الجوع التي أحاطت بأهل الموصل، والبرد الذي رافق أهل سوريا؟

حتى الأفلام والروايات والأعمال الفنية والاجتماعية التي تلعب دورًا في تخليد جزء من أجزاء المآسي لا تكفي لنقل الحقيقة أو حتى ربعها، هي تلعبُ دائمًا على وتر بطل القصة، أما بقيّة الأفراد والضحايا المغمورين فهي لا تكاد تذكرهم إلا كحاشية وهامش، لا يجدون من يقصّ تضحياتهم ومعاناتهم.

كلما رأيتُ خبرًا عن استشهاد عشرين في غارة جوية ما بإحدى بلدان الحروب، واعتقال خمسين لمشاركتهم في مظاهرة حقوقية مشروعة، تساءلتُ في نفسي: «هل يرانا العالم كأرقام؟».

أصبحتُ أحسّ في قرارة نفسي أننا بالنسبة للآخرين لا نعدو إلا أن نكون أرقامًا، لا داعي لذكر أسمائنا، فقنوات الأخبار لن تحتاجها على أي حال، يكفي عدّنا وسط مجموعة من الآخرين لنكوّن رقمًا يلخّص كل شيء، ثم لا داعي للحديث عن غير ذلك. من المؤسف أن أحدًا لن يذكر ملاحمنا إلا قليلًا، ولن يتأثر بها إلا قليلًا، ومن المؤسف أننا أيضًا ننسى، ننسى خبر الأمس إذا مرّ، وننشغل بخبر اليوم إذا جاء، فلكل يوم خبره، نؤدي واجبنا ونعلّق عليه ونريح ضميرنا، ثم ننسى، وآفة حارتنا النسيان.