• المستشارة تدرك أن الاعتداءات تضعف فرصتها في الفوز بولاية رابعة

 

برلين - الراية: ألمانيا صارت في فوهة الإرهاب، وهدفا لضرباته، وهي تتصاعد مخلفة خسائر متزايدة، وتثير قلقا واسعا بين الألمان، وتترك آثارا سلبية على المستقبل السياسي للمستشارة أنجيلا ميركل وربما تؤثر على فرصها وحزبها في الفوز في الانتخابات التشريعية العام المقبل.

مساء الاثنين 19 الجاري باغت الإرهاب ألمانيا ووجه لها ضربة عنيفة هي الأولى من نوعها حيث اقتحمت شاحنة سوقا لهدايا أعياد الميلاد وسط برلين ودهست المتسوقين وتسببت في مقتل 12 نصفهم من السائحين وهذا ما جعل بعض المعلقين المحليين يقولون إنه 11 سبتمبر ألمانيا على غرار ما تعرضت له أمريكا في 2001 مع الفارق الكبير طبعا بين الهجومين وعدد الضحايا.

وقد اشتبهت سلطات الأمن الألمانية في شخص تونسي يدعى أنيس العامري دخل ألمانيا مع اللاجئين عام 2015 بأنه منفذ عملية الدهس، ولكنها لم تعثر عليه، ويوم الجمعة الماضي أعلن وزير الداخلية الإيطالي أن أنيس قد قُتل برصاص الشرطة في مدينة ميلان. وأفادت تقارير بأن بصمات أصابع القتيل طابقت بصمات العامري المشتبه به. وكانت السلطات الألمانية قد وجدت بصمات أصابع العامري في الشاحنة التي استخدمت لتنفيذ الهجوم.

المانيا تغيرت
وكتبت صحيفة "هاندلسبلات" الألمانية تقول أن ألمانيا تغيرت منذ وقوع الحادث، رغم أن السلطات الأمنية لم تكن تستبعد وقوع اعتداء إرهابي، بسبب ازدياد عدد الأنباء التي كانت تشير إلى تهديد أمن ألمانيا، التي أصبحت محط الأنظار في أوروبا، وتحت مجهر تنظيم داعش، بسبب مشاركتها في الحرب التي يقوم بها الائتلاف الدولي بقيادة أمريكا ضده في سوريا والعراق، كما تقوم بتسليح البيشمركة الكردية في شمال العراق لمحاربة التنظيم بما في ذلك قاذفات الصواريخ المضادة للدبابات والطائرات من نوع "ميلان" التي لو زود الغرب الثوار السوريين المعارضين لنظام بشار الأسد بها، لتغيرت موازين القوى في الحرب الأهلية السورية لصالح المعارضة، علاوة على أن ألمانيا فتحت أبوابها في سبتمبر 2015 لمئات الآلاف من اللاجئين وغالبيتهم من السوريين .

أسوأ اعتداء حتى الآن
ويُعتبر حادث الدهس في برلين، أسوأ اعتداء حتى الآن تتعرض له ألمانيا وقد أعلن تنظيم داعش أنه مسؤول عنه ما أدى إلى اندلاع الجدل من جديد حول ما إذا كان قرار المستشارة أنجيلا مريكل صحيحا بفتح حدود بلادها أمام آلاف اللاجئين في سبتمبر 2015 رغم أنهم لم يكونوا يحملون أوراقا ثبوتية أو أنهم أتلفوها، مثلما فعل الكثيرين من المواطنين من لبنان وباكستان وأفغانستان وتونس والجزائر والمغرب ومصر الذين تسللوا معهم عبر طريق البلقان إلى النمسا وألمانيا والدانمارك والسويد والنرويج.

وحتى وقت قريب كانت ألمانيا محظوظة نوعا ما ولم تقع فيها اعتداءات إرهابية قياسا بما حصل في فرنسا وبلجيكا. وتمكنت السلطات الألمانية من إحباط العديد من الاعتداءات قبل وقوعها أو أن بعضها تعرض إلى الفشل قبل التنفيذ، غير أنه لوحظ منذ مجيء آلاف اللاجئين إلى ألمانيا واعتقاد أجهزة الأمن الألمانية أن إرهابيين تمكنوا من التسلل بحجة أنهم ضمن اللاجئين ومنهم من كان يحمل جوازات سورية غنمها داعش عندما سيطر على مدن سورية، وقام لاجئون سوريون بالإبلاغ عن بعض المشتبه بأنهم ينتمون إلى التنظيم ومن وقت لآخر يتم الإعلان عن القبض على عضو في التنظيم أو مشتبه بانتمائه إليه.

مكاسب الشعبويين من الاعتداءات
وبعد قيام لاجئ أفغاني بالاعتداء على قطار في مدينة "فورتسبورج" وجرح بعض الركاب بسكينه ثم حاول لاجئ سوري تفجير نفسه خلال حفل موسيقي في مدينة "أنسباخ" وكلاهما تقعان في ولاية بافاريا، أصبحت المستشارة ميركل تتعرض إلى انتقادات واسعة والاتهام بمسؤوليتها عن هذه الاعتداءات لأنها فتحت أبواب ألمانيا أمام اللاجئين الذين دخلوها دون أوراق ثبوتية ودون التأكد من هوياتهم ومعرفة توجهاتهم السياسية وبالتالي سهلت دخول إرهابيين إلى ألمانيا وأوروبا.

وفي مارس الماضي، دفعت ميركل والحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه، الثمن باهظا عندما خسر حزبها الانتخابات في ثلاثة ولايات، وفي المقابل حقق حزب "البديل من أجل ألمانيا" الشعبوي، نتائج كبيرة، حيث أصبح الآن ممثلا في عشرة ولايات من أصل ستة عشر ولاية، وتشير استطلاعات الرأي إلى احتمال دخوله البرلمان الألماني "بوندستاج" في سبتمبر القادم، وإذا تم له ذلك، فإنه سوف يقلب موازين القوى في الساحة السياسية الألمانية خاصة وأن هذا الحزب الذي تأسس في عام 2013 يرفع شعارات معادية للإسلام والأجانب ودعا بعض قادته إلى منع اللاجئين من دخول الأراضي الألمانية ولو اضطر الأمر لإطلاق النار عليهم.

استراتيجية شرسة
وذكرت مصادر إعلامية محلية أن الحزب الشعبوي سيخوض الحملة الانتخابية مستخدما استراتيجية شرسة يعتمد فيها على التقليل من أهمية قادة الأحزاب التقليدية والتركيز على تحميل ميركل مسؤولية الاعتداءات التي وقعت في ألمانيا من قبل لاجئين أو لها صلة بهم لأنها هي التي سمحت لهم بدخول الأراضي الألمانية. وتجدر الإشارة إلى أن حزب "بديل من أجل ألمانيا" أصبح ثالث أكبر حزب في ألمانيا خلال فترة قصيرة ولا يخفي قادته أن هدفهم في الانتخابات القادمة هو الإطاحة بميركل.

لكن ميركل التي بدأت مشكلاتها بعد قرارها فتح بلادها أمام اللاجئين في عام 2015، لا تتعرض لانتقادات من قبل الشعبويين الألمان والأوروبيين في النمسا وفرنسا وهولندا فحسب، بل من قبل هورست زيهوفر، رئيس حكومة ولاية بافاريا وزعيم الحزب المسيحي الاجتماعي، شريك حزب ميركل في "الاتحاد المسيحي" والائتلاف الحاكم في ألمانيا، والذي طلب من ميركل مراجعة سياستها تجاه اللاجئين.

ضغوط على ميركل
ويعتقد المراقبون أن ميركل تشعر بالضغط كلما وقع اعتداء إرهابي من قبل لاجئين، لأنها تعرف أن المجتمع الألماني سوف يسارع لتحميلها المسؤولية، رغم أن غالبية الألمان يعرفون أن غالبية اللاجئين الذين أتوا إلى بلادهم يحتاجون إلى مساعدة وأنهم جازفوا بأرواحهم من أجل المجيء إلى أوروبا للحصول على الأمان، لكن هناك من الألمان من يعبر عن غضبه تجاه سياستها تجاه اللاجئين عندما يحين موعد الانتخابات.

وكتبت مجلة "دير شبيجل" قبل أيام على موقعها الإلكتروني " تعرف ميركل ما يتداوله الألمان حول سياستها تجاه اللاجئين، ومثل الاعتداءات التي وقعت في "فورتسبورج" و"أنسباخ" و"برلين" ، تسمم الأجواء وتقوي فرصة الشعبويين الألمان في الفوز في الانتخابات القادمة، وتضعف فرص المستشارة الألمانية في الفوز بولاية رابعة.