بقلم - جورج علم:

يصرخ حزب الله، يرجو المجتمع الدولي، والمنظمات الإنسانية إنقاذ قافلة "داعش" في البادية السوريّة. يحذّر من مجزرة ترتكب بحق الإرهابييّن الذين انتقلوا من الجرود اللبنانية إلى الداخل السوري وفقاً للصفقة التي أبرمها مع تنظيم داعش، ويتهم التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة  بخرقها.

وكان رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي أول من أطلق النار عليها، وهاجم حزب الله، ما دفع بالأخير إلى إصدار بيان تبريري، لم يكن له أي أثر في تهدئة الخواطر العراقيّة الغاضبة، "كيف يسمح هذا الحزب بنقل الدواعش من الأراضي اللبنانية إلى الحدود السوريّة - العراقيّة؟".

حجّة الحزب أن الولايات المتحدة تريد أن تنتقم، لم تكن راضية عن المعارك التي خاضها في الجرود اللبنانية، ولذلك بادرت إلى القصف سياسياً عن طريق تحريض الحكومة العراقية ضد مندرجات الصفقة، وعسكرياً، بقصف الدواعش من الجو، في البادية السورية، ومنع تقدمها باتجاه المناطق المتفق عليها، وتركها تواجه قدرها وسط الصحراء.

واعتبر بعض الإعلام الأمريكي بأن الرئيس دونالد ترامب يقف شخصياً وراء كل ما يجري، وبادر إلى الاتصال بالسعوديين والطلب إليهم الانفتاح على العراق، لمواجهة النفوذ الإيراني، والحد منه. وامتثلت الرياض سريعاً، فاستقبلت على التوالي الرئيس العبادي، ثم زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، وآخرين، وبادرت إلى فتح معابر بريّة نحو العمق العراقي كبادرة حسن نية، وسعت إلى تحريض بعض القيادات الشيعية العراقية لانتقاد حزب الله، ودوره في جرود عرسال، وإبرامه الصفقة مع "الدواعش".

ويعتبر بعض أهل الرأي في الإدارة الأمريكية بأن ما يجري لا يقتصر على عناوين شعبوية طنّانة، بل هو استناد إلى استراتيجية واضحة أطلقها الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش في 29 يناير 2002، يصف فيها حكومات كل من العراق، وإيران، وكوريا الشمالية بـ "محور الشر"، لأنها تدعم الإرهاب، وتسعى لشراء أسلحة الدمار الشامل.

وترى إدارة ترامب بأن العراق قد غادر هذا المحور بعد سقوط نظام صدام حسين، والمتغيرات الكبرى التي طاولت جغرافيته الأمنية والسياسية، والآن جاء دور إيران لأسباب منها: تعاونها العسكري مع كوريا الشمالية، وترسانتها الصاروخية. وسعيها الواضح إلى امتلاك أوسع شبكة من الصواريخ الباليستية، والتي بمقدورها أن تحمل رؤوساً نووية. ثم تمدّدها في العديد من الدول العربية والإسلامية وفق إستراتيجية استيعابية واضحة.

وفي ذروة الانشغال العالمي بالأزمة الكورية الشمالية، خطفت المخابرات الأمريكية الأضواء عندما قرّرت تفتيش مقار القنصليات الروسية، الأمر الذي وصفته موسكو بـ "الاستفزاز الخطير"، اعتبرته "خرقاً للقانون الدولي". ويأتي هذا الأسلوب التصعيدي للتعبير عن الغضب الأمريكي من الدور الذي يلعبه الرئيس فلاديمير بوتن لجهة دعم حكومة بيانج يونج، والتصعيد الممنهج الذي يعتمده الزعيم الكوري الشمالي كيم جونج أون، فضلاً عن التعاون العسكري الروسي - الإيراني الذي مكّن طهران من تطوير ترسانتها الصاروخية الباليستية، وبنائها مصانع صاروخية متطورة لصالح حزب الله في كل من سوريا ولبنان.

واستفزت هذه المصانع إسرائيل، وعبّرت حكومة بنيامين نتنياهو عن بالغ غضبها، وأقنعت مخابراتها الإدارة الأمريكية بالمعطيات المتوافرة لديها، فبادرت الأخيرة إلى اغتنام فرصة التمديد للقوات الدولية العاملة في الجنوب (اليو نيفيل)، وطالبت مجلس الأمن بتعديل مهام عملها لتصبح قوّة ضاربة، تستطيع أن تدخل كل القرى والمدن، وتفتش الأماكن المشبوهة، وتلاحق نشاطات حزب الله. إلاّ أن فرنسا، وسائر الدول المشاركة في (اليونيفيل) رفضت هذا الاقتراح، واعتبرت أن الأخذ به يعني بداية مواجهة مسلّحة بين الحزب، وعناصر القوات الدوليّة، وهذا يناقض مضمون القرار 1701.

إلاّ أن الاقتراح الأمريكي لاقى أصداء إيجابية في لبنان خصوصاً من جانب تيار المستقبل، وفريق 14 آذار، حتى أن رئيس الحكومة سعد الحريري ذهب إلى باريس ليطرح ثلاثية جديدة "الدولة، والجيش، والشعب"، ضد الثلاثية الذهبية التي يتمسّك بها حزب الله، والقائمة على "المقاومة، والجيش، والشعب". وأعلن بعد لقائه الرئيس إيمانويل ماكرون، بأن الذي انتصر على "داعش"، هو الجيش اللبناني وحده، وهو وحده من حرّر الجرود اللبنانية من مقاتلي هذا التنظيم..

كيف سيرد الحزب على كل هذا؟. لقد أكدت التجارب أن لعبة التاريخ والجغرافيا خطرة. وفي حسابات الكبار لا مكان للصغار، خصوصاً إذا كان ما يجري هدفه تقاسم النفوذ، والسيطرة على خيرات المنطقة؟!..

كاتب لبناني