بيروت - رويترز: انتهت الحرب الأهلية في لبنان قبل أكثر من ربع قرن.. لكن حكاياتها مازالت حية في الأذهان، وتقف بعض المعالم إلى اليوم مثل شاهد عيان يروي ما لم تحكه الأفواه أو تسمعه الآذان.. من هذه المعالم «بيت بيروت»، وتبدأ حكاية «بيت بيروت» عام 1924 من القرن الماضي، حيث كان ملكاً لعائلة بركات التي كلّفت المهندس البارز يوسف أفندي أفطيموس بتشييده خلال الانتداب الفرنسي فاعتمد أفطيموس على الزوايا المفتوحة التي منحت غرف القصر جميعها إطلالة على الخارج من جميع الجهات.

وفي عام 1932 وضع المهندس فؤاد قزح لمساته على بيت بيروت وقام بتعزيز التقنيات المعمارية التي جمعت حضارات عثمانية وغربية واستعمل الحجر الرملي الأصفر، حيث بات المكان يُعرف بالبيت الأصفر، ومع بداية الحرب الأهلية عام 1975 وجد سكان البيت الأصفر أنفسهم في قلب النار وأنهم أصبحوا على خطوط تماس بين شرقية وغربية حيث تقع منطقة السوديكو إحدى أشهر وأخطر مناطق القتال في بيروت.

 غادر السكان المبنى الأصفر وتركوه إلى الفرق المتحاربة التي استفادت من هندسته المفتوحة على المدينة ما سمح لهم باستخدامه منصّة قنص مزودة برؤية بانورامية قادرة على الاصطياد السريع، وخرج البيت الأصفر من الحرب بدمار جزئي وتشويه شبه كامل وكان على لائحة المباني المرشحة للهدم في عام 1990 لكن المهندسة المعمارية منى حلاق وخلال تفقدها شوارع المدينة المدمّرة استطاعت أن تلحظ أهمية المبنى وما يختزنه من ذاكرة بالإمكان ترميمها.لجأت منى إلى الصحافة والمجتمع المدني مع بعض السياسيين لشن حملة لإنقاذ بيت بيروت من الهدم وبنجاح هذه الحملة استحوذت بلدية بيروت على المبنى في 2003 بثلاثة ملايين دولار ووقعت اتفاقية مع بلدية باريس تشمل الدعم التقني لإنجاز أعمال متحف معماري في المبنى، وقد بلغت كلفة التجهيز والدراسات 18 مليون دولار، وأضيف إلى جانب المبنى القديم مبنى جديد خصص للأعمال الإدارية والباحثين يتكون من 11 طابقاً، أما المبنى القديم فمؤلف من أربعة طوابق. وتبلغ مساحة بيت بيروت 2300 متر مربع.

 يتفاجأ الزائر عندما يرى الصورة النهائية للمبنى .. فقد أبقت عملية الترميم للذكرى على كل آثار الحرب من هدم وتخريب ورصاص وفجوات ومتاريس وكتابات المحاربين، غير أن بيت بيروت خضع إلى خلافات إدارية وسياسية تعيق استغلاله، إذ اختلف القيمون عليه بشأن تحويله إلى متحف يحتوي على شواهد الحرب أو إلى مكتبة أو ملتقى ثقافي وحضاري، ومنذ 2003 إلى اليوم اندلعت خلافات وعقبات إدارية ومعمارية أرجأت إنجاز المشروع الذي بقي خالياً من أي نشاط.

تقول منى: نحن هنا في بيت بيروت نريد أن نحكي قصص بيروت وأهلها. يعني كيف يتغير الإنسان خلال الحرب. ماذا يحل به. وفي نفس الوقت كيف تتغيّر المدينة خلال الحرب وماذا يحل بها. كيف تتقسم المدينة. كل تغيّرات المدينة الديمغرافية والاجتماعية والثقافية خلال الحرب، هناك الكثير من القصص التي تجمع الناس في الحرب. كل الناس خافت. كل الناس هربت. كل الناس خسرت أناساً. خسرت أشياء. كل الناس فقدت عالماً. فقدت أشياء عزيزة عليها. هذه القصص التي نريد أن نرويها عن الحرب.. القصص الإنسانية.

ولكن منذ إعادة ترميمه إلى اليوم لم يفتح بيت بيروت أبوابه للزوّار إلا على استحياء مكتفياً باستقبال زيارات خجولة على الرغم من افتتاحه الرسمي قبل نحو عامين. وتقول منى إن هناك تحضيرات أساسية يتم العمل عليها، وتضيف «بيت بيروت رُمّم والناس سمعت أكثر من مرة أنه افتتح وهو لم يفتتح ولم يكتمل محتواه الثقافي بعد».