عاش في صراع بين الحلم والواقع أو بين منطق القوة ومنطق العقل

الصراع من أجل الحلم سيطر عليه فلا راحة في الحياة

محمد مهدي علام: أثر الثقافة الإسلامية صريح في شعره

العقاد: المتنبي له عالم كامل من الحياة العملية

بقلم: جهاد فاضل

قد يُظنّ أن الإقدام على تناول المتنبي وشعره يُشكل ضرباً من التكرار الذي لا فائدة منه، ولكن يبدو أن الزمان أبى إلا أن يحقق رؤية الشاعر الذي أصرّ على رصدها في قوله المشهور:

أنَامُ مِلْءَ جُفُوني عَنْ شَوَارِدِهَا

وَيَسْهَرُ الخَلْقُ جَرّاهَا وَيخْتَصِمُ

ويبدو أن الخلق سيسهر ويختصم حيال هذه الشوارد أبد الدهر، فها هو الباحث المصري محمود عبدالمعطي القيعي يدلي بدلوه في الدلاء فيطارد بعضاً من شوارد المتنبي في دراسة حملت عنوان: «شعر المتنبي/ دراسة تحليلية/ الصراع أنموذجاً» يحاول فيها الكشف عن مقومات شتى للصراع في شعر هذا الشاعر العظيم الذي ملأ الدنيا وأسماع الناس وأثار من الجدل النقدي والحوار الأدبي الكثير لدى القدماء والمحدثين على السواء.

يرمي الباحث في دراسته إلى استجلاء أبعاد الصراع وتجليات آثاره في شعر المتنبي، خاصة أن الصراع عبر ديوانه بدا متعدد الأغراض على النحو الذي يستشعره القارئ حال تعامله معه وقراءته إياه، بدءاً من إشكالية الصراع مع الوجود، إلى التناص مع النصوص الفلسفية إلى محاولاته الدائبة لتحطيم المثال القديم على المستوى الفني إلى ما وراء ذلك كله من دلالات ومواقف يخيّم عليها منطق الصراع، فإذا بها تنطلق منه لتنتهي إليه.

الصراع النفسي

ومن صور هذا الامتداد الصراع النفسي الذي عاشه الشاعر الطموح بين الحلم والواقع، أو بين منطق القوة ومنطق العقل، ومنه أيضاً كان الصراع الاجتماعي بين الأنا والآخر، وقبل هذا كله يظل الصراع الفني بين المزدوج الموروث والمبتكر بمثابة النتاج الذي أفرزه التزاوج بين اللغة البدوية واللغة الحضرية، كذلك كان أمر الصراع من أجل التفرد وتجاوز منطقة الآخر، خاصة في عصر القمم ممن أخمدهم المتنبي من أمثال الشريف الرضي وأبي فراس الحمداني من أقطاب البلاط الحاكم وكبار رجالاته، كذلك تحطيم المثال القديم وانعكاس ذلك على اللغة والموسيقى والتراكيب والإيقاع.

يرصد الباحث الألفاظ الأكثر استعمالاً في شعر المتنبي ليصل إلى حقيقة مؤكدة هي أن نفس هذا الشاعر كانت تتصارع مع كل شيء في الوجود حتى مع ذاتها.

هذه الألفاظ هي: الكلمة، السيف، القلب، العين، الناس، اليد، الأرض، الخيل، النفس، الجود، المال، وأكثرها استعمالاً في شعره هي: السيف (١٦٠ مرة) والقلب (١٥٩ مرة) فعلام يدل هذا؟. إنه يقودنا إلى صراعه النفسي الذي ليس له حد، وإلى أن قلبه وعقله كانا مملوءين بالصراع النفسي، يقول المتنبي:

أنا ابن اللقاء أنا ابن السخاء

أنا ابن الضراب أنا ابن الطعان

أنا ابن الفيافي أنا ابن القوافي

أنا ابن السروج أنا ابن الرعانِ

تكررت «الأنا» ثماني مرات في بيتين من الشعر، إنه الشعور بالعظمة:

وهكذا كنتُ في أهلي وفي وطني

إن النفيس غريب حيث ما كانا

إنه يرى نفسه نفيساً فلا غرو أن يكون غريباً عن الدهماء الذين لم يجد فيهم سوى الخداع والنفاق، ويقول أيضاً:

أريد من زمني ذا أن يبلغني

ما ليس يبلغه من نفسه الزمنُ

لننظر إلى «ذا» هذه وما توحي به من احتقار لهذا الزمن، ولا شك أن مفتاح الفهم لأدب هذا الرجل وتاريخه كله مرتبط أوثق الارتباط بالوقوف على ملامح شخصيته وعناصر تكوينها وطبيعتها الخاصة بها التي بلغت حد الإسراف والخروج على المألوف والتشدد في حب الذات والارتفاع بها إلى قمة المعالي التي يرى نفسه جديراً بها.

شخصية صدامية

يقول الدكتور عبدالسلام المسدي: إنّ الناظر اللساني المتشبع بالمضامين الشعرية عند أبي الطيب المتنبي إذا ما احتكم إلى كلا المعنيين النقديين استطاع أن يصادر على تقريرين اثنين أولهما أن شخصية المتنبي في أدبه شخصية صدامية يتجاذبها قطبان متباينان إيجاباً وسلباً، وثانيها أن صراع القوى الشخصانية عند الشاعر قد تفجر في علاقات تقابلية على الصعيد اللغوي ما أدى إلى بروز شبكة من الروابط الثنائية دلالياً ونغمياً في نفس الوقت». ويقول عباس محمود العقاد: «ابن الرومي له عالم كامل من الحياة الفنية، والمتنبي له عالم كامل من الحياة العملية، والمعري له عالم كامل من الحياة الفكرية والروحية والعالم بكل صورة عملية فيه ممثل في ملكة المتنبي».

ويبدو أن هذا هو أهم ما يميز المتنبي كشاعر عظيم، فالواقع أن له عالماً كاملاً من الحياة العملية، فقد خبر الناس والحياة والأحياء، وفي شعره معرض للحياة بكل ما تحمله من صراع وقتال وافتراس وانتهاب وحروب.

الصراع من أجل الحلم

وقد تعرض شكري عياد إلى القصيدة الميمية للمتنبي فذهب إلى أن هذه القصيدة تمثل نزاعاً بين الحركة الخارجية (السفر، القتال، الناس) والحركة الداخلية (السخط، الشوق، الخوف، الأمل) وقد لا يكون بعيداً عن أسلوب القصيدة القول إنها مقابلة بين الإنسانية (الأعداء، الأصدقاء، الحساد، الكرام، الأنذال) كما هي تعبر عن التقاء الأضداد (اللذة، الألم، الحياة، الموت، القوة، الضعف).

حياة المتنبي كلها تشهد له بأنه كان في صراع دائم مع نفسه (الصراع من أجل الحلم) فلا راحة في الحياة ولا أمان ولا رحمة ولا عدل ولا كلمة فيها لغير القوة أو الحيلة التي هي نوع من القوة، حرب دائمة قائمة في السر والعلن بين الأصحاب والأعداء وفي صفوف الأقوياء والضعفاء، ولكن فيمَ ينبغي أن تخاض: أفي اللذة والسرور، أم في العلم والمعرفة، أدفاعاً عن النفس وذوداً عن المال، أم لا تخاض في شيء من ذلك، ولكن في طلب العز والقهر والسيادة.

يقول أبو الطيب:

لحا الله ذي الدنيا مناخاً لراكبٍ

فكل بعيد الهم فيها معذب

ألا ليت شعري هل أقول قصيدة

فلا اشتكي فيها ولا أتعتب

يقول عبدالعزيز الدسوقي في كتابه: «في عالم المتنبي»: إذا أخذنا مثلاً قصيدة من قصائده ولتكن القصيدة التي سمّيناها لوحة أحزان العيد، وردّدنا الأبيات التالية بدون اختيار:

عيّد بأية حال عدت يا عيُد

بما مضى أم بأمرٍ فيك تجديدُ

سنحسّ على الفور هذا الشجى النافذ الذي يسري إلينا ويفد إلى نفوسنا ويزلزل كياننا لهذا الوهج الحار الذي يشعر في أبياتها، فنزداد اندماجاً مع التجربة الإنسانية التي يعبر عنها المتنبي في هذه القصيدة ونعيش في جوها العام ونتعرض لشحنات من الحزن والغضب والثورة والاستسلام وتموجات المشاعر واحتدام الأحاسيس. يقول في بداية قصيدة:

أغالبُ فيك الشوق والشوق أغلبُ .. وأعجب من ذا الهجر والوصل أعجبُ

لننظر إلى الصراع بين الشوق والمغالبة والهجر والوصل، وما يثير في النفس من متعة فنية ولذة شعورية.

ويقول أيضاً:

ليت الحوادث باعتني الذي أخذت

مني بحلمي الذي أعطت وتجريبي

ولننظر في قوله:

على قلقٍ كأن الريح تحتي

أوجّهها جنوباً أو شمالاً

إنه يصف نفسه بأنه على قلق دائم وكأن تحته الريح التي لا تبقي ولا تذر، لكنه لا ينسى نفسه، فهو الذي يوجهها ذات اليمين وذات اليسار، ولا ينسى شعوره بالعظمة حتى وهو في قمة القلق:

وإذا أتتك مذمتي من ناقص

فهي الشهادة لي بأني كاملُ

إنه الصراع بين النقص والكمال والشعور بالكمال واحتقار الآخر الذي يشعر بالنقص وعدم الإحساس بالكمال.

ذَرِيني أنَلْ ما لا يُنَالُ مِنَ العُلَى

فصَعْبُ العلى في الصّعب وَالسهلُ في السهلِ

إنه الصراع بين ما ينال من العلى وما لا ينال، والصراع بين السهل والصعب، وأي الطريقتين يختار. ويقول المتنبي :

أوَدُّ مِنَ الأيّامِ مَا لا تَوَدُّهُ

وَأشكُو إلَيهَا بَيْنَنَا وَهْيَ جُنْدُهُ

يُباعِدْنَ حِبّاً يَجْتَمِعْنَ وَوَصْلُهُ

فكَيفَ بحِبٍّ يَجْتَمِعنَ وَصَدُّهُ

أبَى خُلُقُ الدّنْيَا حَبِيباً تُديمُهُ

فَمَا طَلَبي مِنهَا حَبيباً تَرُدّهُ

إنه الصراع النفسي مع الأيام، وما يحمله هذا الصراع من تحدٍ للأيام نفسها. فهو يريد ما لا تريده، ويودّ ما لا تودّه، ويرجو ما لا ترجو.

ثمةَ صراعات كثيرة في شعره منها:

وَتَعْظُمُ في عَينِ الصّغيرِ صغارُها .. وَتَصْغُرُ في عَين العَظيمِ العَظائِمُ

أريك الرضا لو أخفت النفس خافيا .. وما أنا عن نفسي ولا عنك راضيا

أنا السابق الهادي إلى ما أقوله .. إذ القول قبل القائلين مقول

أمط عنك تشبيهي بما وكأنه .. فما أحد فوقي ولا أحد مثلي

نفسية معقدة

عاش المتنبي ونفسه مليئة بروح الرضا والتحدي والخوف، هو رضا يأتيه من انتظار تحقيق طموحاته، وهو تحدٍ يحكمه موقفه حين غادر أعزّ ممدوحيه في حلب، فأحسّ حاجته إلى إثبات وجوده بعد الرحيل على المستوى السياسي، وهو خوف ينتابه من شماتة حساده والحاقدين عليه، هو فشل في تحقيق ذلك الطموح، وهكذا بدت نفسيته معقدة، متشابكة الاتجاهات، مما يبرر ما يصدر عنها من كره وعنف إذا ما واجهتها صدمة الفشل في تحقيق الآمال أو الطموحات المعلنة.

إن صراع المتنبي الاجتماعي يكمن في تميزه وتمرده على تقاليد عصره ونزعة تطغى على أفعاله بادعاء الكمال، ورفض النقص والضعف عند البشر، والبحث عن الإنسان الأمثل وتمجيد القوة والبطش وتحقيق الأماني المعقولة وغير المعقولة بالسيف، واختلاط الحلم بالواقع والظل بالأصل ومحاولة خلق العالم من جديد على نحو يهيئ له أن يتربع على عروشه جميعاً، وقلقه وشعوره بأنه مطارد دوماً ويحيط به الأعداء والحسّاد، وحيرته أمام ألغاز هذا الكون الذي لم يجده كما يجب طوع يديه ورهن إشارته، وعبداً لكلماته الشعرية ورغباته الشخصية، والعذاب الفكري الذي عاناه في رحلته الدائمة، وعلاقاته مع الممدوحين ورجال الحكم، وإحساسه باندحار الإنسان، وانعكاس ذلك في إرادة الانتصار والتفوق بما يتجاوز طقوس العظمة والأبهة المعهودة بين البشر وبتطلعات لا حدود لها ولا إطار، فهو:

أنا في أمةٍ تداركها الله

غريب كصالح في ثمودٍ

ولم يكن المتنبي منعزلاً عن الثقافة السائدة في زمانه ومنها الصراع الفكري والفلسفي، فقد ذهب الدكتور إحسان عباس إلى أن المصطلح الفلسفي الشائع في القرن الرابع كان معروفاً تماماً للمتنبي، فحديث المفكرين عن «اللذة والأذى» بهذا الشكل، دون أن يقال «اللذة والألم» هو الذي يوحي بهذه المطابقة «تلذّ له المروءة وهي تؤذي». وكذلك قُل في أشعاره ذات الصلة الواضحة بنزعات فلسفية.

وذهب محمد مهدي علام إلى أن حكم المتنبي كشاعريته ثمرة لثقافة واسعة وتجارب بصيرة وقدرة على الابتكار والتوليد، فنحن نرى أثر الثقافة الإسلامية صريحاً في شعره حين يقول مثلاً:

وجرمٍ جرّهُ سفهاءُ قومٍ

وحلّ بغير جارمه العذابُ

فهو يردد لنا في صورة شعرية ما نطق به القرآن الكريم في قوله تعالى: «واتقوا فتنة لا تصيبنّ الذين ظلموا منكم خاصة».

ويلمّ بقوله تعال «يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، حين يقول:

إذا الجودُ لم يُرزق خلاصاً من الأذى

فلا الحمدُ مكسوباً ولا المال باقياً

وتناول محمود شاكر بيت المتنبي:

وضاقت الأرض حتى كان هاربُهم

إذا رأى غير شيء ظنّه رجلاً

يريد «ولا شيء» فأبدل، وهذه من الألفاظ المتكلمة والخيال خيالهم.

ولننظر إلى بعض من حكم المتنبي التي تدل على فهمه الحياة والواقع فهماً دقيقاً:

إذا غَدَرَتْ حَسناءُ وفّتْ بعَهدها

فمِنْ عَهدِها أن لا يَدومَ لها عَهدُ

وإنْ عَشِقَتْ كانتْ أشَدّ صَبابَةً

وإن فَرِكتْ فاذهبْ فما فِركها قَصدُ

وإنْ حقَدَتْ لم يَبقَ في قَلبِها رِضى

وإنْ رَضِيَتْ لم يَبقَ في قَلبِها حِقدُ

كذلِكَ أخلاقُ النّساءِ ورُبّمَا

يَضِلُّ بها الهدي ويخفى بها الرّشدُ

إنها أبيات تدل على الصراع الفكري عند المتنبي وهو يصف فيها المرأة الحسناء، وهو وصف دقيق ينمّ عن فهم وخبرة بالحياة. ويقول أيضاً:

فلا مجد في الدنيا لمن قلّ ماله

ولا مال في الدنيا لمن قلّ مجدُه

وهي حكمة تكشف عن صراعه الفكري بين المال والمجد. ويقول:

ومن ينفق الساعات في جمع ماله

مخافة فقر فالذي فعل الفقر

ومن العداوة ما ينالك نفعه

ومن الصداقة ما يضرُّ ويؤلم

وللنفس أخلاق تدلّ على الفتى

أكان سخاءً ما أتى أم تساخيا

وهي كلها حكم فكرية يسيطر عليها منطق الصراع بين اختيار أحد نقيضين، ومن هنا تأتي أهميتها لأنها تثير العقل والمشاعر إثارة فنية وتكون رافداً من روافد المتعة الفنية.

وهكذا يتبين لنا على ضوء دراسة الباحث أن للصراع دوراً كبيراً في شعرية النص، فهو الذي يغني النص ويزيده سعة وشمولاً، لا سيما أن الصراع في شعر أبي الطيب بدا متعدد المستويات بدءاً بالصراع الفني وانتهاء بالصراع الفكري، مروراً بالصراع النفسي والاجتماعي.

وحسب هذه الدراسة أنها حاولت أن تدرس ظاهرة الصراع في شعر الشاعر وأن تضيف لبنة إلى عمارته الشعرية التي تزداد شموخاً مع الأيام.