برلين -  الراية : في العادة تنتهي المؤتمرات الدولية بالفشل أو التصفيق بعد أن يختتم صاحب الدعوة المؤتمر أو الإشارة إلى ما تم التوصل إليه من قرارات مهمة تخفف من مشكلات العالم. الوضع اختلف تماماً هذا العام بالنسبة للسفير الألماني فولفجانج إيشينجر، رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن الذي يُعتبر مؤتمر هذا العام في نسخته 52 الأسوأ منذ استلامه منصبه في عام 2009.

وأصبح بوسع إيشينجر العودة لممارسة هوايته بقيادة سيارته من نوع "بورش" والتزلق على الجليد. فبدلا من أن يكون مؤتمر ميونيخ للأمن في مثل الظروف الدولية الراهنة والتحديات القائمة مثل استمرار النزاع الفلسطيني/الإسرائيلي والحرب ضد "داعش" والحرب السورية وأزمة اللاجئين وأزمة أوكرانيا، مناسبة ليتحدث حوالي خمسمائة شخصية سياسية واستراتيجية حول إنهاء هذه الحروب والنزاعات، انتهى المؤتمر بصمت وغادر كل منهم عائداً إلى بلده بخفي حنين، حيث زادت الخلافات وتعقدت الأزمات ومنذ بدأ المؤتمر، صعّد سلاح الجو الروسي وسلاح الجو السوري، غاراتهما ضد المدنيين ومعارضي نظام دمشق، مما كشف عن اتباعهما سياسة مزدوجة، وهي استغلال منبر دولي مثل مؤتمر ميونيخ للأمن، لتبرير التصعيد العسكري، والعمل في خلق واقع جديد على الأرض باستعادة المناطق التي خسرها نظام الأسد ليعزز قواه وفرصه إذا تم استكمال مفاوضات جنيف 3.

بدأ المؤتمر بخطوة بعثت على التفاؤل، عندما أعلنت وزارة الخارجية الألمانية في بيان لها أن سبع عشرة دولة معنية بالأزمة السورية، توصلت في اجتماع تم في ميونيخ، إلى اتفاق من ثلاث نقاط، يدعو إلى خفض وتيرة العنف تمهيداً للتوصل إلى قرار وقف إطلاق النار، وتسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المنكوبة في سوريا، وتشجيع الأطراف السورية على حضور مفاوضات السلام في جنيف. كما تم الاتفاق على تشكيل فرق لمراقبة تنفيذ هذه النقاط.

استمرت الآمال 36 ساعة فقط حيث صرح سيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسي بعدها، أنه لا يعتقد أن الاتفاق قابل للحل وخاصة التوصل إلى وقف إطلاق النار، واتهم الأمريكيين بعدم الرغبة في التعاون مع موسكو وقال إن نسبة تنفيذ اتفاق ميونيخ تبلغ 49 بالمائة من وجهة نظره بينما كانت نسبة التنفيذ 51 بالمائة من وجهة نظر فرانك فالتر شتاينماير، وزير الخارجية الألماني.

البعض علق على مشاركة ديميتري ميدفيدف، رئيس الوزراء الروسي، المعروف باتزانه، أنه مثل فيل دخل متجراً لبيع البورسلان، ويمكنكم تصور الضرر الذي لحق بهذا المتجر. وقال آخرون أن بوتين كان الغائب الحاضر لأن ميدفيدف أناب عنه في إيصال الرسائل المدوية إلى الغرب. ووفقاً لأحد المحللين، كانت كلمة ينس ستولتنبرج، أمين عام حلف شمال الأطلسي "ناتو"، قد أزعجت الوفد الروسي كثيراً، لأنه ركز على انتقاد موسكو باستمرار، ولم يُشر ببنت شفة إلى أن الحلف يريد إحياء الشراكة مع روسيا. ويعتقد بعض المراقبين أن رد الفعل القوي الذي عبر عنه ميدفيدف، كان نتيجة لاستفزاز ستولتنبيرج.

عوضاً عن التضامن والتعاون برزت الخلافات بين الغرب وروسيا حول كافة القضايا، وحل عوضاً عنها انعدام الثقة والعداوة وأجواء تذكر بعودة الحرب الباردة. فحسب عبارة ذكرها ميدفيدف تعليقاً على ما سمعه من ستولتنبيرج: لدي شعور بأننا لا نعيش اليوم في عام 2016 وإنما في عام 1962. وحذر المسؤول الروسي من قيام حرب عالمية ثالثة. ومن وجهة نظر داليا جريباوسكايتي، رئيسة ليتوانيا، التي كانت سابقاً تابعة للاتحاد السوفييتي، فقد قالت إن الحرب الباردة أصبحت في ضوء الأزمتين السورية والأوكرانية عبارة عن حرب ساخنة.

وقال دبلوماسي عربي، لو أن روسيا جاءت بمبادرة دبلوماسية لحل الأزمة السورية، لتغيرت أجواء مؤتمر ميونيخ، ولكن النبرة الحادة التي صدرت عن ميدفيدف ولافروف، هي التي أدت إلى كهربة أجواء المؤتمر.

وبرأي المراقبين ربما كان أسوأ دورة شهدها مؤتمر ميونيخ للأمن في تاريخه، وبدلا من أن يعمل المشاركون مثل كل عام في البحث عن حلول، انتشرت في أجواء المؤتمر مشاعر اليأس، علما أن الحرب المروعة في سوريا والمدنيين المحاصرين والمهددين بالموت جوعاً، كانوا بأمس حاجة إلى اتفاق دولي ترعاه هيئة الأمم المتحدة لوقف الحرب وتخفيف معاناة المدنيين المحاصرين.

وبدلا من ذلك، شهد المؤتمر انقسامات وتبادلاً للاتهامات وبعد أن كان اليوم الأول، قد شهد التوصل إلى اتفاق من ثلاث نقاط، ظل حبراً على ورق، كان اليوم الأخير محجوزاً لعدد من الصقور، مثل السناتور الأمريكي جون ماكاين، الذي أعطى فكرة عن التحول الذي سيطرأ على سياسات الولايات المتحدة الأمريكية، إذا فاز دونالد ترامب، المرشح المثير للجدل بمنصب الرئيس الأمريكي، ويرفع في حملته الانتخابية شعار "سنجعل أمريكا قوية من جديد". فقد اتهم ماكاين الغرب بالشعور بالضعف في مواجهة موسكو التي اتهمها بالسعي من أجل عودة الحرب الباردة مثلما اتهم الغرب بالسماح لبوتين كي يتدخل عسكريا في سوريا. كما انتقد ماكاين الرئيس الروسي بقوة وقال إنه يستخدم أزمة اللاجئين كسلاح لتدمير أوروبا.

ولعل ما أثار حفيظة المشاركين من غير الروس، أن الوفد الروسي حرص على نفي تسبب القوات الروسية في أوكرانيا وسوريا، في زهق أرواح مدنيين، ودافعوا عن اتهامهم بالزعم أنهم في سوريا من أجل القضاء على الإرهاب، لكن جميع المتحدثين في المؤتمر، لفتوا انتباه الوفد الروسي إلى أن غالبية الغارات الجوية التي نفذتها الطائرات الحربية الروسية، استهدفت تجمعات المعارضين السوريين المعتدلين وأحياء مدنية، وليس هناك ما يثبت أن موسكو شنت غارات ضد مواقع "داعش" أو جبهة النصرة. وكان واضحاً أن أكثر ما أثار حفيظة المشاركين من مختلف أنحاء العالم، كان تمسك موسكو بالرئيس السوري بشار الأسد.

فالغرب لا يريد أن يستمر الأسد في منصبه، ويحمله مسؤولية مقتل 470000 سوري وتهجير الملايين من أبناء شعبه. وحاول لافروف تخفيف حدة الهجوم على الأسد عندما دعا في كلمته إلى التوقف عن شيطنة الأسد، ثم قال إنه يفهم سبب انتقاد العمليات العسكرية في سوريا، فجميع أشرطة الفيديو وأقوال الشهود تؤكد عدم تعرض الغارات الجوية الروسية للمدنيين، على حد قوله.

وذكرت مجلة "دير شبيجل" الألمانية على موقعها الإلكتروني أن الاتفاق الذي تم التوصل إليه بموافقة سبع عشرة دولة منضمة للمجموعة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، قد فشل، وتبخرت الآمال بوقف العنف المفرط الذي يدفع الشعب السوري ثمنه عالياً.

واستعرض تقرير المجلة النتائج على الأرض للنقاط الثلاث التي جاءت في إعلان اتفاق ميونيخ. وفيما يتعلق بالنقطة التي دعا ممثلو دول مجموعة الاتصال إلى تسهيل دخول المساعدات الإنسانية إلى السكان المحاصرين، أشار التقرير إلى أن هناك حوالي أربعمائة ألف سوري في مناطق تخضع للحصار من قبل النظام منها منطقة معضمية الشام التي تحاصرها قوات النظام وتبعد مسافة عشرة كيلومترات فقط عن القصر الجمهوري، وقد أصبح التجويع سلاحا بأيدي المتحاربين في هذه الحرب القذرة.

أما النقطة الأخرى التي وردت في اتفاق ميونيخ، فكانت خفض وتيرة العنف تمهيداً للتوصل إلى قرار حول وقف إطلاق النار، فقد تبين أن موسكو وقوات الأسد صعّدتا عملياتهما العسكرية، الأولى من خلال تكثيف غاراتها الجوية والطرف الثاني من خلال تكثيف الحشود على أبواب حلب التي كانت قلب الاقتصاد السوري. وعلى الرغم من اتفاق موسكو وواشنطن في ميونيخ على مواصلة ضرب تنظيم "داعش" و"جبهة النصرة" بحيث لا تسري الهدنة عليهما، إلا أن موسكو وقوات الأسد استمرتا في القصف العشوائي ضد الجماعات المعارضة المعتدلة التي تحارب الأسد والتنظيمين المذكورين وضد المدنيين المحاصرين.

واستناداً إلى ستافان دي ميستورا، المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لسوريا، فإنه بات من المستبعد البدء بتنفيذ النقاط التي تم الاتفاق عليها في ميونيخ حسب التاريخ المنصوص عليه 25 فبراير، معتبراً التوقيت ليس واقعياً. وقال إنه من الصعب مواصلة مفاوضات جنيف 3 قبل أن يتم وقف إطلاق النار، وفي الوقت الراهن ليس هناك ما يوحي أن الفرقاء في سوريا على استعداد لإسكات أسلحتهم.

ويتفق المراقبون رغم كل التوتر، على أن حل الأزمة السورية لا يتم بدون روسيا، ولكن إلى حين تهدأ المشاعر ويحصل انفراج في الأجواء السياسية، سوف يرتفع عدد الضحايا وسيستمر تدفق اللاجئين على الدول المجاورة لسوريا وأوروبا، لأن الحرب في سوريا التي تحولت من انتفاضة شعبية إلى حرب أهلية دخلت مرحلة جديدة وأصبحت جزءاً من حرب باردة بدأت تسخن بين واشنطن وموسكو.