بقلم : أحمد ذيبان(صحفي وكاتب أردني) ..
حتى خلال الحصار غير المسبوق الذي فرض على العراق، قبل الغزو الأمريكي، لم يشهد هذا البلد نقصا في الخدمات وأزمات اقتصادية خانقة، كما حدث بعد جريمة الغزو عام 2003، الذي وقع تحت عنوان زائف، هو تخليص العراق من «ديكتارتورية صدام»، والتخلص من أسلحة الدمار الشامل، التي ثبت أنها كانت «كذبة» بحجم أمريكا، كما ثبت أن «ديمقراطية الاحتلال» كانت وصفة لتدمير البلد!

«العراق الجيد» الذي صنعه الغزو الأمريكي، أصبح نموذجا يضرب به المثل في الفساد، حسب تقارير منظمة الشفافية الدولية، وأن غالبية الشعب العراقي تعاني من قسوة الحياة.. فقر، بطالة، فقدان الخدمات، هيمنة طبقة سياسية فاسدة، تستند إلى أحزاب وميليشيات طائفية! وهؤلاء الذين جاؤوا على دبابات الاحتلال لم يكونوا يملكون شيئا، وفجأة أصبحوا يملكون ثروات هائلة، وأرصدة تتراوح التقديرات بأنها تتراوح بين الملايين والمليارات، ومؤخرا تم تداول أرقام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عن حجم الثروات الخرافية التي يمتلكها من تناوبوا على حكم العراق منذ الغزو، وتقدر بمئات مليارات الدولارات، وأن الرئيس الأمريكي ترامب هدد بمصادرتها «ثمنا»، لما خسرته أمريكا جراء غزوها العراق وتدميره!

وبغض النظر عن مدى دقة الأرقام، لكن الأمر الأكيد أن العراق غارق بالفساد، بفعل هؤلاء الذين يعيشون حياة مرفهة، فيما يعيش غالبية العراقيين في بؤس وفقر!.. فساد طال مختلف جوانب الحياة.. المالية والاقتصادية وتفكيك بنية المجتمع ووحدته الوطنية، وفساد سياسي كانت الانتخابات البرلمانية الأخيرة أحد مظاهره، انتخابات شابها تزوير فاضح وهو ما أكدته مختلف الأحزاب والشخصيات السياسية التي شاركت في الانتخابات، ولعلها مفارقة غريبة أنه منذ بضعة أشهر لم يتم بعد، حسم نتائج الانتخابات ولا تزال عمليات الفرز متواصلة!

التظاهرات التي يشهدها العراق منذ عشرة أيام، عنوانها الاحتجاج على تردي الخدمات وفساد الطغمة الحاكمة، وهي ليست المرة الأولى بل سبقتها احتجاجات مشابهة عام 2013، لكن انتفاضة صيف 2018 هي الأسخن، ولعلها متأثرة بطقس العراق اللاهب، الذي وصلت فيه درجات الحرارة إلى نحو 55 درجة مئوية، إلى درجة أن بعض المواطنين عبروا عن احتجاجهم على انقطاع الكهرباء في هذا الجحيم، بطريقة ساخرة بقلي البيض على أشعة الشمس!

واللافت أن الاحتجاجات انطلقت من الجنوب، الذي كانت تعتبره الطبقة الحاكمة بيئة اجتماعية وطائفية، يمكن التلاعب بها لأسباب مذهبية، خاصة أن هذه المنطقة مجاورة لإيران، التي اعتبرها نظام ولاية الفقيه «منطقة رخوة»، يمكن التلاعب بها طائفيا وبالفعل كانت دعاية نظام الملالي تبشر بتصدير الثورة، عبر جنوب العراق وتحريض سكانه، وخاصة خلال الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات، وكانت الحدود الجنوبية للعراق قد شهدت أكبر معارك الحرب، وخاصة معركة الفاو العظيمة، التي حسمت الحرب لصالح العراق! لكن من المفارقات العجيبة أن الاحتلال الأمريكي، وفر فرصة ذهبية لإيران لفرض هيمنتها السياسية على «العراق الجديد»!

بعض التحليلات تشير إلى أن لإيران أصابع في إشعال صيف العراق، وأن بعض الأحزاب والميليشيات الموالية لطهران، تلعب دورا في تسخين الاحتجاجات لتصفية حسابات سياسية مع خصومها، ويلاحظ أن ثمة عاملا مشتركا بين ما يجري في جنوب العراق، وما شهدته إيران خلال الأشهر الماضية من احتجاجات، ضد الفساد وتردي الوضع الاقتصادي والمعيشي ونقص الخدمات وقمع الحريات، وأن طهران المهددة بحصار أمريكي يوقف صادراتها النفطية، معنية بإثارة الفوضى في المنطقة، وأكثر المناطق جاهزة لذلك جنوب العراق، المصدر الرئيس للإنتاج النفطي!

الشباب هم المحرك الرئيس للاحتجاجات، وأحد المتغيرات الرئيسية التي شهدها العالم العربي، أنه لم يعد ممكنا الضحك على الناس، وأكاذيب السياسيين انتهت صلاحيتها، في عالم أصبح أشبه بـ»كرة زجاجية» بفعل ثورة المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات!

ولم يعد ممكنا ترهيب الناس بفزاعة الإرهاب و»داعش»، التي كان محاربتها عنوان المرحلة الماضية، والغريب أن «المرجعية» التي أصدرت فتوى بتشكيل «الحشد الشعبي»، أكبر ميليشيا طائفية فوق القانون، لم تصدر فتوى تؤيد مطالب المحتجين وتدين الطبقة الفاسدة التي ابتلي بها العراق، رغم أن أصوات المحتجين وصلت إلى آذان «المرجعية» في مدينة النجف، التي فرضت الحكومة عليها حظر التجول، وشهدت سقوط أولى ضحايا «ربيع العراق» الساخن!
  

Theban100@gmail.com