بقلم - منى عبد الفتاح:

من ينتظر قيصر ليكمل مسيرة كسرى، يكون لديه أمل كبير في تزوير التاريخ بمقولة تخلط ما بين الحقيقة والخديعة والتمني، وهي أنّ الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يعود بنسبه إلى وهب النصراني الذي يُقال أنّه قاتل مع الحسين في واقعة كربلاء ضد جيش يزيد سنة 61 للهجرة. أتى حفيد حليف الحسين حسب الزعم، ليعيد تاريخ أجداده بالقتال مع بشّار الأسد منتصراً للعمامة الفارسية مثلما قاتل جدّه مع الحسين وقُتل معه.

عند مفترق هذه النزاعات بين الطوائف المختلفة، كلّ طائفة تخلق مهديها المنتظر وتجسّد من تشتهي الخلاص على يده، حتى لو كان من أهل ديانة أخرى، فالحلم الفارسي بعد أن جاب الدنيا شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً يرسى الآن عند أقرب زاوية ليحقق أمنية الفتك بالأعداء كلما تمادى الحُلم. وفي نظر التفسير الشيعي أنّ هذا تسخيرٌ من عند الله، أن يُبرز المواقف البطولية للرئيس بوتين التي لا تصدر إلّا من سليل وهب الأنصاري، وأنّ الامتنان الذي تُقابل به هذه المواقف أتى كمعجزةٍ في ساعة العسرة.

جاء في الموسوعة التاريخية الضخمة، تحفة ابن كثير «البداية والنهاية»، ومما ذكره الإمام الشافعي أيضاً: «أنبأ ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه لما كانت العرب تأتي الشام والعراق للتجارة، فأسلم من أسلم منهم، شكوا خوفهم من ملكي العراق والشام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، فو الذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله». أخرجه مسلم من حديث ابن عيينة، وأخرجاه من حديث الزهري به. قال الشافعي: ولما أوتى كسرى بكتاب رسول الله مزقه، فقال رسول الله: «يمزّق ملكه».

وعندما قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما في خطابه قبل انتهاء فترته الرئاسية الثانية، بأنّ الصراع في منطقة الخليج بين إيران وجيرانها هو صراع سني- شيعي، لا يعدو ذلك أن يكون سوى محاولة لتصفية الفترتين الرئاسيتين اللتين أصبحتا تاريخاً، يتدارسه الأكاديميون والمحللون، من إرث التخاذل في حلّ مشكلات الشرق الأوسط التي تتحمل أمريكا جزءاً كبيراً منها، أو هروباً من جرأة الاعتراف بما اكتسبت يدا سلفه بوش الابن واتخاذ موقف في الحرب السورية وغيرها من صراعات في المنطقة.

ينسرب هذا الخطر بينما الغرب يسوّق لفكرة الصراع بأنّها مذهب ضد مذهب وإسلام معتدل ضد إسلام متطرف، وهذا ما يخلق بيئة تؤسس لأن تغرق المنطقة بمزيد من العنف والدماء. أمّا إذا قلبنا صفحة التصاوير الكارثية السابقة التي تدغدغ المشاعر الطائفية، والتي يحرّكها أصحابها ابتغاء أغراض معينة، يعتقدون في أحقيتها التي يجب أن تتم مهما كانت الظروف؛ سنجد واقعاً سياسياً مغايراً لا يحتفي بهذه الأحداث بل يمكن أن يعتبرها ترهات وخزعبلات.

 ليس بالضرورة أن تخلق إيران هذا الواقع السياسي، ولكن نظراً لتجاربها المثيرة للجدل في المنطقة العربية، فإنّها لا تخرج عن دورين على قدرٍ من الأهمية. الدور الأول، هو أن تكون فاعلة وتدخل أنفها في كل الأحداث بشكل مباشر. أما الدور الثاني فهو أن تنتظر ما تتمناه وهو الأسوأ بالضرورة للمنطقة العربية لتلتقط قفاز المبادرة بالإفادة الكاملة منه. لا يبعد هذا الزعم من جزم بشار الأسد الذي يتحدث عن سلطة بدأت تتلاشى من تحت قدميه، حتى لم يعد له سيطرة إلّا على 20% من الأراضي السورية، ورغماً عن ذلك يزداد إصراراً على أنّ بوتين هبّ لمساندته بناء على طلبه.

 للحقيقة وجه آخر وهي أنّه من الجهل بمكان تعميم هذا الزعم والرضوخ إليه دون النظر بعمق في المصالح السياسية والاقتصادية والعسكرية التي تحرّك القوى الدولية الكبرى، للتدخل في العالم العربي. وقد لا يكون خفيّاً أنّ روسيا تعاني من ضغوطٍ داخلية سياسية واقتصادية، وبالإضافة إلى المطامع التوسعية للإمبراطورية السوفيتية الزائلة، فإنّها تترجم ما يدور في خلد بوتين بأنّ الأحلام التوسعية في الشرق الأوسط مهما كانت عدم معقوليتها فإنّه يمكن تحقيقها بافتراش الجماجم.

 ولا حدود لمن يحلم كما في خبال داعش بأن يكوّن دولة هلامية من لا شيء، وكما الطموحات القيصرية باستعادة الأمجاد الغابرة، فكلّ ذلك متاح في هذه البقعة التي أصبحت معملاً لاختبار التكوينات والتحالفات والأحلام السوداء.

كاتبة سودانية