كان يرى أن قصيدة واحدة للمتنبي أفضل من روايته الأشهر

«عرس الزين» زغرودة للحياة ونالت اهتماماً كبيراً

ذاكرة السودان المتنقلة يحفظ لكتابه وشعرائه وزجّاليه

كل شيء لديه ملفوف بالحشمة والتقشف ونكران الذات

بقلم - جهاد فاضل:

هذا الكتاب «آخر كلمات الطيب صالح» لخالد الإعيسر يحتوي من الكلمات عن الطيب صالح أكثر مما يحتوي من كلمات الطيب صالح. فليس فيه للطيب صالح سوى مقابلة تليفزيونية واحدة هي آخر ما أجري معه من مقابلات. وصفحاتها في الكتاب معدودة. أما القسم الباقي من الكتاب فهو عبارة عن كلمات قيلت في الأديب السوداني الكبير رحمه الله. والكلمات تنصب على شمائل وسجايا مبثوثة في ذاته، كما على مزايا رواياته وعلى الخصوص روايته الذائعة الصيت «موسم الهجرة إلى الشمال» التي لا يراها الطيب صالح رواية مهمة، بل يرى أن قصيدة واحدة لأبي الطيب المتنبي أفضل منها. وكان الطيب صالح كما هو معروف مفتوناً بالمتنبي أيما افتتان، وله دراسات شتى تتناوله صدرت لاحقاً في كتاب عن دار رياض نجيب الريس في بيروت.

كلمات من مثقفين كبار

الكلمات التي تتناول الطيب صالح كتبها أدباء سودانيون وغير سودانيين. منهم الوزير المغربي السابق محمد بن عيسى والدكتور جابر عصفور والدكتور أحسن أبشر الطيب وطلحت جبريل وعبدالوهاب الأفندي وكلها تمتلئ بالتقدير والحب لصاحب «موسم الهجرة إلى الشمال»، دون أن تخلو بالطبع من الاهتمام بأعماله الروائية والأدبية الأخرى.

والكتاب بوجه عام يُعيد إلى الذاكرة واحداً من الأدباء والروائيين العرب الكبار، أديباً كبيراً كانت شخصيته وسيرته الذاتية إحدى أجمل أعماله الأدبية كما عرفها كل من اتصل به وكما تصوِّرها مقالات هذا الكتاب أفضل تصوير.

من ذكريات محمد بن عيسى عن الطيب صالح: تقاسمت مع الطيب أحاسيسه وانشغالاته وبعضاً من معاناته. وهو كل كامل، يقاسمك كل أحاسيسك أو لا شيء. لا يعادي ولا يحاسب ولا يلوم، وهو كل كامل، لا ينافق ولا يحابي، قنوع لدرجة إهماله حقوقه ومستحقاته، دؤوب بقهقهته وتقاسيم وجهه وشرود نظراته. كل شيء لديه ملفوف بالحشمة والتقشف ونكران الذات. وليٌ صالحٌ حتى دون عمامته.

رمز الاعتدال

حكايته عن أيام مناسك الحج في مكة المكرّمة، وزيارته بالدموع والخشوع والتسليم لقبر النبي صلى الله عليه وسلم، حكاية الشاعر والمؤمن والصوفيّ بسبّابته المرفوعة دائماً لتوحيد الله. ومنذ حجته هذه غرق الطيب صالح في بحر الوحدانية كما يقول شيخه أبوالحسن الشاذلي، ينام وبجانبه كل ليلة آلة تسجيل تدير أشرطة القرآن الكريم.

وهو رمز الاعتدال في كل شيء، في أفكاره السياسية ومواقفه العلمية والأدبية وأحكامه على القادة والزعماء والمفكّرين والعلماء والمبدعين.

وهو ذاكرة السودان المتنقلة، يحفظ لكتّابه وشعرائه، زجّاليه خاصة، ويحن إلى وطنه الأم ويحس بأحشائه تتمزّق وهو يتحدّث عن السودان.

مجالسه التي يستحليها هي مجالسه مع السودانيين، من خيرة علمائها ومفكّريها ممن عرفت، ولكن الطيّب صالح هو إنسان كل الدنيا يستسيغ الثقافات ويقرأ لكل الكبار وفي مقدّمتهم الإنجليز.

صراع الأنا والآخر

قرأت له «موسم الهجرة إلى الشمال»، وترسّخت قامة الرجل في الذهن والوجدان. ربما قرأت في روايته الرائعة هذه عن نفسي، عن جيلي، عن صراع الأنا والآخر في الغرب الحاكم والمتقدّم والثريّ «الأبيض بسلوف شقراء وعيون زرقاء وشهوة مُحجبة بالعجرفة والاستعلاء، قبالتها فحولة الأنا السوداني المسلم العربي المقهور المتخلف الفقير، والرغبة في لذة الانتقام بلا ضرر.

ويضيف بن عيسى: لن أنسى مَحجّنا إلى «جبل العلم» في سلسلة جبال الريف في المغرب حيث ضريح الصوفيّ الشيخ عبدالسلام بن المشيش العَلَمي الإدريسي رائد الشاذلية وشيخ موردها أبي الحسن الشاذلي رحمهما الله. أمضينا يوماً وليلة بجوار الضريح والطيّب صالح مسكون بروحانية المقام وأصوات المقرئين وتهاليل الزوار، سهرنا إلى قرابة طلوع الفجر.

زلزال في الثقافة العربية

ويُعيد الدكتور جابر عصفور إلى الذكر الخطوط العريضة لـ «موسم الهجرة إلى الشمال» وأثرها العميق عند ظهورها، أحدثت هذه الرواية بنظره زلزالاً في الثقافة العربية وكانت انفتاحاً على أفق ابداعي جديد ومغاير في خطوات بالغة الجسارة سواء في اللغة أو الموضوع أو كيفية بناء الشخصيات والأحداث، وانطوت على تضاد متعدّد الدلالات والأبعاد في علاقات مصطفى سعيد السوداني الذي سافر إلى إنجلترا للدراسة بالنساء الإنجليزيات اللائي تسبّب في دمار بعضهن، كما أسهمن في اندفاع عالمه إلى الذروة التي تشظّى فيها. الأمر الذي تسبّب في سجن مصطفى سعيد واتهامه بالقتل، وسجنه لسنوات عاد بعدها إلى وطنه كما لو كان يعود إلى الرحم الذي خرج منه، مدركاً أنه كان يَثأر من الاستعمار الذي امتهن بلده بامتهان نسائه، فلم يفلح إلا في ثأر عاجز، تركه أخيراً أكثر توحّداً وإخفاقاً لأنه عجز عن تكوين صيغة جدلية بالآخر، تجمع بين تراثه المحليّ الخلّاق الأصالة والإنجاز الإيجابي للآخر المعاصرة. وكانت النتيجة أنه عاد إلى الرحم الذي خرج منه لعله يجد الراحة والأمان النفسيّ الذي كان يتطلع إليه حتى بعد أن تزوّج حسنة بنت محمود وأنجب منها ولدين، ولكنه ظل غريباً مغترباً في واقعه، وانتهت به حدة الاغتراب إلى أن أحرق غرفته السريّة وانطلق صوب النيل ليسلّم نفسه إلى مَوجِه الذي يحمله إلى نقطة اللاعودة، وذلك فيما يشبه الشعيرة الطقسية التي تنهي الاغتراب في الشمال والجنوب على السواء. وكانت الحوارات بالغة الجسارة بين الشخصيات، فضلاً عن تقنيات تيار الوعي الحديث، وعلاقة التوازي المتقلبة بين المُشابهة والمُخالفة في علاقة الراوي بالمروي عنه، مصطفى سعيد علامات على نوع استثنائي لا عهد به في الرواية العربية. ولذلك انجذبت أقلام النُقّاد إلى الرواية التي أصبحت مُغوية لكل الاتجاهات النقدية، ابتداء من نقّاد الواقعية بأنواعها، مروراً بنقّاد التحليل النفسي وأنصار الوجودية، فضلاً عن المنتمين إلى الاتجاه الرمزي من المتأثرين بتقاليد يونغ وفريزر، وظلت الرواية حمّالة أوجه لا تكف عن إثارة الانتباه إليها وذلك لأنها نص إبداعي استثنائي يظل في حاجة إلى الكشف، ولم يكن من الغريب أن يُقبل نقاد خطاب ما بعد الاستعمار على الاهتمام بها، والتحليل الميكروسكوبي لدلالاتها الفاضحة للخطاب الاستعماري المنطوي على معاني الهيمنة والاستعلاء والتخييل.

عرس الزين

ثم جاءت «عرس الزين» تالية في الشهرة ونالت من الاستقبال ما يقارب استقبال موسم الهجرة، وكانت «زغرودة للحياة» كما وصفها علي الراعي بحق. وقد جعل الطيّب صالح محورها المركزي «الزين» الذي كان شخصاً استثنائياً لا نظر له في القرية التي أحبّته على رغم غرابته، وعلى رغم ما ينطوي عليه من صفات الصعلكة الملازمة لصفاء النفس المكشوف عنها الحجاب في حالات كثيرة، فضلاً عن العطف على البؤساء، والعفوية التي تجعله خارجاً على الأعراف الاجتماعية للقرية سواء بمعناها العملي المنطقي أو الاقتصادي.

ولم يكن لحياة «الزين» أن تخلو من ملامح صوفية متسرّبة في سلوكه الذي كان يحتقر الماديات ويهوى الجمال في كل مظاهره ابتداءً من الطبيعة التي كانت تدل على بديع صنع الله، وانتهاءً بالمرأة التي كان يرى في جمالها الدليل الحي على وجود خالق الجمال في الكون كله.

الزواج مسلوب الرشد

وتحدث المفارقة عندما تختار أجمل فتيات القرية وأكثرهن عقلاً وحكمة، الزين لتتزوجه، وينقلب حال الزين الذي يدخل في شعائر الزواج مسلوب الرشد، فقد كان هو نفسه مندهشاً من الاختبار الذي يدفعه إلى التغيّر فيما بدا كأنه شعيرة يمتزج فيها الحدس الصوفي الذي ينطوي عليه، والعقل الهادئ الكامن وراء من اختارته عروساً، وندخل سياق الإجراءات السابقة على العرس إلى العرس نفسه، لا نمنع أنفسنا من الاتحاد الوجداني مع الزين الذي ينوس بنا ما بين الحس والعاطفة والتلقائية محتفين بفرحة عرسه التي هي فرحة الحياة وشهوتها التي تصل بمعاني حضورها إلى ذروة الاكتمال والكمال في الوجود وبالوجود.

عذوبة لغته الشاعرة

يحتوي الكتاب على مراجعة شاملة لشخصية الطيب صالح وأعماله الأدبية كتبها الدكتور حسن أبشر الطيب الذي يتحدّث عن أثر البيئة السودانية الريفية في أدبيات الطيب صالح. فهو يتمثلها في معظم المواقف في الشكل كما في الموضوع. «إنك تعيش في كل أعماله هذا الفيض الزاخر من الأفكار والأطروحات المبتكرة المتجدّدة، وتطرب في الوقت ذاته لعذوبة لغته الشاعرة التي تتسم بالقدرة الباهرة في التشكيل اللغوي الموحي، والنسيج الشعري الشجي المرهف الذي يكتسي وهجاً وفناً صادقاً أخاذاً، وقدرة عالية على الإيحاء».

والقارئ المتأمل لأعمال الطيب صالح الروائية يجد شاعراً كبيراً يمتلك في اقتدار أدوات فنه بالقدر الذي جعل له أسلوبه المميز وطريقته المتفرّدة في التعبير التي تتسم بالثراء الفكري والفني.

أثر البيئة السودانية في رواياته

أما أثر البيئة السودانية الريفية في رواياته فإنه يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية أولها تلك الذكريات الدافئة الحميمة التي التصقت بذاكرته من سنوات طفولته وصباه الباكر التي نعم فيها بالحياة في قريته الوادعة الهانئة بين أحبائه وأترابه، قرية تماثل «ود حامد» في الكل والجوهر.

وثانيها أن غربته لسنوات طوال قد عمّقت في ذاته هذا الالتصاق الحميم ببيئته وكثّفت اعتزازه بها لانتمائه الصادق لها ولما رأى من تناقضات لا تماثل طبعه وذوقه في بيئات أخرى.

وثالثها أن غربته قد منحته الفرصة للنظر من بعد بغية استقراء واستجلاء دقائق الحياة في بيئته تلك البريئة الوارفة الظليلة بعطائها الوافر ومواطنيها الطيبين، لواحد من هذه الأسباب، أو لكل هذه الأسباب مجتمعة، ظل الطيب صالح حفياً ولصيقاً ببيئة قريته الوادعة الخيّرة المسترخية على شاطئ النيل، وهو يتمثلها في الكثير من المواقف في كل أعماله الروائية.

ومضات إبداعية

ويختار حسن أبشر الطيّب من أعمال الطيّب صالح ومضات إبداعية كدليل على التصاق الطيّب بالبيئة السودانية وقدرته على استكشاف عبقرية اللغة العربية للتعبير عنها:

جاء في عرس الزين: «رائحة الأرض تملأ أنفك، فتذكرك برائحة النخل حين يتهيأ للقاح. الأرض ساكنة مبتلة، ولكنك تحسّ أن بطنها ينطوي على سرّ عظيم».

ونقرأ في موسم الهجرة إلى الشمال: «وتفتّح جمالها فجأة كما تنتعش النخلة الصبية حين يأتيها الماء بعد الظمأ. كانت ذهبية اللون مثل حقل الحنطة قبل الحصاد».

المتنبي

في الكتاب يجد القارئ الكثير عن سيرة الطيب صالح وأدبه ورواياته وعن إعجابه الشديد بأبي الطيب المتنبي ، كان الطيب صالح متيّماً بالمتنبي وكثيراً ما كان يستشهد بشعره في أحاديثه ومقالاته، كان يرى أن المتنبي شاعر فيلسوف لم ينل من النقاد التقدير الجدير به، وكان ينفي عنه أنه كان يلهث وراء المال والسلطة، بل كان يرى لعظيم موهبته أن المال والسلطة يجب أن يسعيا إليه وكثيراً ما كان يستشهد بهذين البيتين للمتنبي:

ومراد النفوس أصغر من أن

نتعادى فيه وأن نتفانى

غير أن الفتى يلاقي المنايا

كالحات ولا يلاقي الهوانا

وكان يقول إن ابن تيمية، العالم الإسلامي الكبير قال إني أدعو في سجودي بمضمون بيت المتنبي.

يا من ألوذ به في ما أؤمّله

لا يجبر الناس عظماً أنت كاسره

إن نفس الطيب الكبيرة هي التي أوهنت بدنه وعلّت جسده.