صيّادون مُسلّحون يُهاجمون المحميّات ويقتلون الفيلة وحرّاسها

ترجمة - كريم المالكي:

الحارس كامبالي ماتي حاول دسَّ جسمه تحت أكوام العُشب لينجو بنفسه، كان يحدّق في سماء بلا قمرٍ، لقد مرّت أحداث فوضى القتال في عقله، بعد معركة الحرّاس مع الصيّادين، قال محدثاً نفسه: «لكن أين ذهب حارسا الحياة البرية الآخران، جان دي ديو ماتونجو وجويل ميريكو أرى؟ هل هما على قيد الحياة؟» إنه لا يتذكّر الآن كيف نجا من عاصفة الرّصاص الّتي وجهت نحوهم، فكلّ ما يتذكّره أنّه عمل ما بوسعه ليختبِئ.

منذ خمسة أشهر فقط بدأ يعمل كامبالي كحارس في مُنتزه جارامبا الوطنيّ، شرقيّ جمهوريّة الكونجو الديمقراطيّة، وهو المكان الأخير الذي يحاول المُحافظة على المُتبقّي من الفيلة والزّرافات في هذا الجزء من إفريقيا. ولكنّ كامبالي كان مع اثنين من رفاقه، يختبئون كالثدييات الصّغيرة المُتحجّرة في العُشب، فإذا تحرّك أيّ منهم، فإن مصيرهم الموت لأن مجموعة كبيرة من الصيّادين تترصّدهم في مكان قريب، وإذا عثروا عليهم سيقتلونهم. عموماً هذا المشهد يعكس ما تتعرّض له الفيلة ومن يحميها من مخاطر وقتل.

حقاً إنّ العالم يعاني من وباء القتل البيئيّ، ففي العام قبل الماضي قتل 200 من المدافعين عن البيئة، وفي الأشهر الـ 11 من العام الماضي بلغ عدد القتلى 170 شخصاً. ويُقتل سنوياً آلاف الفيلة في إفريقيا عبر الاتجار غير المشروع بالعاج الذي يُباع بحوالي ألف يورو للكيلوجرام الواحد.

الأسباب كثيرة

تبدو الأسباب كثيرة، من بينها الفساد؛ وارتفاع الطلب العالميّ على الموارد الطبيعيّة؛ والاستعداد المتزايد لدى الشركات لاستغلال مناطق جديدة؛ وعدم المُساءلة، بينما تعمل الحكومات والشّركات بشكل مُتزايد معاً على برامج تنمية الموارد. ويقول بيلي كايت، المُوظّف في مُنظّمة جلوبال ويتنس: رأينا أن الإفلات من العقاب يولّد المزيد من العنف، حيث إنّ من يقومون بالهجمات يعرفون كيف يتملّصون من عواقبها، بينما نشهد هجمات أكثر قساوة عن ذي قبل.

لقد تضاعف مجموع الهجمات عما كانت عليه قبل 5 سنوات، وانتشرت أكثر. ففي عام 2015، سجّلت مُنظمة جلوبال ويتنس عمليات قتل في 16 بلداً. وفي العام الماضي، كانت في 24 بلداً. وكانت أمريكا اللاتينية، أكثر المناطق فتكاً، حيث قتل 110 أشخاص في نهاية نوفمبر، مع الفاتورة الكبرى 44 شخصاً في البرازيل.

إفريقيا الأخطر على البيئة

ولكن القليل من الأماكن في العالم تشكّل خطراً دائماً على المُدافعين عن البيئة قياساً بمن يُحافظ على الحياة البرية في إفريقيا. وفي زاوية نائية من شمال شرق الكونجو يقع منتزه جارامبا الوطنيّ، الّذي هو ضمن قائمة مواقع التراث العالميّ التابعة لليونسكو، والمعروف أن بعضاً من سكّانه كالأفيال والزرافات ووحيد القرن تتعرّض للاعتداء من قبل الصيّادين الذين يسعون للحصول على ملايين الدولارات من خلال المُتاجرة بها في الأسواق الدوليّة غير المشروعة.

105 من حرّاس الحدائق في جميع أنحاء العالم قتلوا خلال الأشهر الـ 12 الماضية، مُعظمهم في إفريقيا، وفقاً للاتحاد الدولي للحرّاس الدوليين. وشهد منتزه جارامبا 21 هجوماً في غضون عام، ما أدّى إلى مصرع 5 أشخاص.

وتقع حديقة جارامبا التي تبلغ مساحتها 1900 ميل مُربّع على مفترق طرق فوضى دوليّة. ويأتي الغزاة من تشاد ودول أخرى على الطريق المُستخدمة منذ قرون لتهريب العبيد والعاج. ويتسلّل الجنود والفارون والمتمردون المسلحون إلى الحديقة. ويعتقد أن 150 مُقاتلاً من جيش الربّ وزعيمهم، الذين عبروا يتجوّلون في المناطق المُتاخمة للمنتزه.

قتل عبثيّ للفيلة

ويقول، مُنسّق معلومات مُكافحة الصيّد غير المشروع في الحديقة: يأتون من دول مُتعدّدة وجماعات مسلّحة، لدينا حدود يسهُل اختراقها ومسؤولون فاسدون مُتورّطون بسلسلة العاج، ولدينا ولايات مُنهارة. وتدار حديقة جارامبا بشكل مُشترك من قبل الحكومة الكونجولية ومُنظّمة المنتزهات الإفريقية غير الحكومية، التي مقرّها جنوب إفريقيا، والتي تتعاون مع الحكومات لإدارة 12 من الحدائق الوطنيّة الأكثر ضعفاً في القارة، وتغطي أكثر من 7 ملايين فدان.

وقبل أيام من هجوم 11 أبريل الذي أُجبر كامبالي ماتي على الاختباء في العُشب، رصد طيار المُنتزهات 5 أفيال ميّتة من الجوّ، من بينهما فيلان صغيران. وعند التحقيق بالموقع وجد المنسق أنّ أنياب الفيلين الصغيرين قد أخذت. وعلق المُنسّق: لقد شوّهت الفيلة الكبار وجوهها، بينما تم قتل الفيلين الصغيرين من أجل لا شيء.

الحملة انتهت

من خلال الأدلة، كان هناك العديد من المُسلّحين الذين لا عدد لهم. وبعد عملية بحث طويلة عن القتلة، تم رصد موقع إطلاق النيران. وكان كامبالي ماتي (24 عاماً) خرج مع فريق يتكوّن من 6 رجال دورية يرافقهم 4 جنود كونجوليين. واستغرق الأمر حوالي 5 ساعات للعثور على معسكر الصيادين. ومع أن المهاجمين اختفوا، لكنهم تركوا آثاراً، وكان حوالي 12 رجلاً.

وفى اليوم التالي -الذي كان مطيراً وعاصفاً- شاهد ماتي رجلين قريبين من قطيع كبير من الفيلة. وحاول الاتصال بالمقرّ، ولكن العاصفة أعاقت ذلك. ورغم وجود الفرصة للقبض على الصيادين بعد وصول المساعدة، حالت كثافة الأشجار دون ذلك. وبعد سماع إطلاق نار تمّ العثور على أربعة فيلة أخرى وخامس كان جريحاً.

وبعد تبادل إطلاق النار مع الصيادين، زحف ماتي بعيداً إلى أن فرّ راكضاً، بينما تبعثر بقية أفراد الدورية كلّ في اتجاه. وانتهت الحملة بالعودة إلى معسكر القاعدة حيث التقوا. وأبلغ الحرّاس المقرّ بالهجوم برسالة نصية، حيث تمّ إرسال طائرة هليكوبتر لاستعادة الناجين وجثتي اثنين من الدورية.

خسائر بشرية

اختفى الصيّادون ولكنهم في تلك الليلة قتلوا 4 فيلة ورجلين كانا يحاولان حمايتها، وأولئك الحرّاس تركوا وراءهم أسراً وأطفالاً. وكان صوت المنجل، الذي سمعه الحرّاس، هو الذي استخدمه الصيادون لأخذ أنياب الفيلة.

ويعدّ هذا ثاني هجوم قاتل على الحرّاس في الحديقة خلال عام. وفي أبريل الماضي، أُطلقت النار على مُدير العمليات في حديقة جارامبا، وأربعة حراس كانوا يحقّقون في تقارير عن مجموعة من جثث أفيال وصيادين. وتوفي أحد الحرّاس في مكان الحادث، بينما نقل الآخرون جواً إلى نقطة عسكرية أمريكية في جنوب السودان لتلقّي العلاج العاجل.

وبعد أيام تُوفي حارسان آخران ليصل العدد إلى ثلاثة، واستأجرت الحديقة مدربين سابقين في الجيش البريطاني لديهم خبرة قتالية في أفغانستان لتحسين مهارات الحراس، وتمّ شراء أسلحة جديدة هذا العام لاستبدالها بالقديمة.

عمل أخلاقيّ بحت

ويقول المُدير العام للمنتزه: نحن لسنا عسكريّين، ولكننا نحاول أن نكون مُحترفين لنرعى الموارد التي بحمايتنا، ونهتمّ بالموارد المتاحة لنا، والحرّاس في طليعة أولوياتنا. وتسعى وحدة الحراسة في منتزه جارامبا إلى تحقيق التوازن بين أهمّية العمل والخطر الذي يحدق بالحرّاس، وهو أمر ليس بالسهل دائماً.

ويقول حارس، أب لأربعة أطفال، لا زال يصرّ على القيام بحماية هذه الحيوانات رغم الموت الذي يتربّصه، إنه يأمل أن يساعد عمله بإنقاذ حياة الأفيال والزرافات وغيرها من الحيوانات لتبقى للأجيال القادمة، ويضيف إنه يُدرك حقّاً أنّ عمله جدير بالاهتمام عندما يرى قطيعاً كبيراً من الفيلة ترعى بسلام ولا أحد يقتلها.

عن صحيفة لوس أنجلوس تايمز