بقلم : عبدالحكيم عامر ذياب (كاتب فلسطيني) ..
بدأ موسم الحج إلى مكة المكرمة فكل عام وأنتم بخير، لكن الحقيقة أن كل العالم في حج حتى من هو ليس في مكة، حركة السياسة النشيطة إلى المدن والعواصم العربية، والمشهد الساخر ترسمه غزة، عبر وفود مسافرة منها إلى القاهرة، ومن القاهرة إلى رام الله التي تشكل الانفصام كحالة الجسد المتألم الذي يطرد أعضاءه عنوة، وغصباً، عدا عن الانقسام الداخلي، بين فصائل ذلك الجسد، وبينه فصيل يقبض على السلطة وعلى حكم مصير الشعب فيه، كما يحكم فصائل صغيرة لا تحكم على كلمتها، ولا تعرف أحيانًا أين تذهب، وإلى أي اتفاق، لكن الانقسام أخرس ألسننا وتركنا في حضرته حالنا القاتل.

هذه حماس تتفاوض المفاوضات غير المباشرة أمام العالم مع الاحتلال الإسرائيلي، بعد أن اقتنعت أن كل كواليس اللعبة بيدها ولا مجال لمهادنتها، حتى يعود النبض لقلب غزة الساكت الهزيل، لكنها أدركت ذلك متأخراً، وقد انتشر المرض وعطلت أفعاله، فلو أدركت مبكراً كان من الممكن أن نتفادى كل الخسائر التي وقعنا فيها الآن، بل وصلت حد المأساة والخسارة، كأنهم لا يعلمون أن من هو تحت الاحتلال لا يمكن أن يدير نظام حكم وحياة لابد وأن يمر بتلك التجربة.

هذه حركة فتح التي أضعفها وأفقرها ما حل بهذه البلاد تراقب ما تفعله حماس بغِلّ لأن الاحتلال توقف عن مفاوضات السلطة الآن، وهي السياسة التي تجعل المفاوضات على عتبة صاحب الحل، ومن بيده زمام الأمور، وحماس والفصائل غادروا إلى أرض القاهرة للاتفاق على تحديد العلاقة مع إسرائيل واجتمعت فتح مع بقايا فصائل لتتفق على قضايا أخرى في المجلس المركزي الذي قاطعته بعض الفصائل مثل اليساريين، الذين غيبوا عن المشهد السياسي وضاعوا بين الطرفين.

تتفاوض حماس باسم غزة، دون أن تنظر ما إذا كان لها الحق أم لا في ذلك فقد اغتصبت غزة قبل أكثر من أحد عشر عاماً، ونصبت نفسها لتتحدث باسم الناس الذين كانت سببا لما هم عليه الآن، بل تعاملت معهم على أنهم ملكها، متى طلبت منهم الدم، جاؤوا إليها، ومتى أعلنت الحرب كانوا وقودها، ومتى استسلمت للسلم ذهبت إليه دون أن تراهم، أو أن تنظر لاستفتائهم.

وفتح الشرعية، ورأس وقلب منظمة التحرير الفلسطينية، وتدير صندوقها وتتعامل على أنها مؤسسة لا تقسم، ولا تتأثر، ولا تهتز، ومن حقها أن تدير دفة الناس إلى حيث تريد هي، وتركت حماس تفاوض على قضايا إنسانية كانت متحققة قبل أن تفكر بالانقلاب على السلطة، أو حتى المغامرة بخطأ كان من شأنه أن يضيع القضية، ويضعف شعبها، ويوصلنا إلى هذا الحال، فقد كان لدينا مطار وأصبحنا نحلم أن يكون، وأصبح أقصى طموحنا أن نسافر مثل كل من لديه الحرية بالسفر، حتى أنه أصبح شرطاً من شروط إيقاف دمنا، حين تقع الحروب، وحركة فتح لم تتعد للمفاوضات، حتى على الكفاح المسلح، أو السلمي، وانتكس صوتها، حتى أنها لم تنفذ قرارات المجالس المركزية التي تحولت إلى مجلس من مجالس العرب تنتهي ببيان وتصفيق حاد، دون أن يكون القرار سيد الموقف.

نهاية القول أن السلطة تحت الاحتلال يعني الالتزام بما يمليه عليك، وعليك أن تلتزم بشروطه، وكل ما فعله الاحتلال أنها أقنعت الفلسطينيين على ضرورة الحفاظ على هيبتها بين أروقة السلطة، لأن اختصار الحياة بين يديها، وهذا ما فعلته إسرائيل حين أغلقت معبر كرم أبو سالم في غزة ثم حولت موضوع المقاصة إلى ملف إذلال للضفة الغربية، لذا علينا أن نفهم، أن مفهوم السلطة تحت احتلال تبدأ بتأهيل لمقايضات نزع السلطة وإضعافها، وهذا ما مثلته أوسلو، وجوهرها والتي اختزلت أن روح السلطة معبقة بين يدي الإسرائيلي وهذا ما بدأته مع السلطة، تنهي فيه مع حماس، واختصرت حكاية الصمود والمقاومة في عنوان عريض أسمته الأمن مقابل الغذاء، وهذا ما نجح للأسف في الضفة، ويطبق في غزة، واختصرت حكاية ملفنا أن الخسارة حليفتنا إن فاوضنا، وإن توقفنا، وإن خيرنا، فمصيرنا صنع بعناية فائقة !!.