بقم - ممدوح محمد الشمسي :

يقول أحد الأبناء: «في موقف لا أنساه، وأنا في الصف الثالث الابتدائي عدت إلى المنزل بعد يوم دراسي ومعي التقرير الشهري، وقدمته لأمي فرحاً، فقد حصلت على العلامة الكاملة في مواد التربية الإسلامية واللغة العربية والرياضيات، وهدية تاج الوقار لتميزي في حفظ القرآن الكريم، ولم أنقص إلا درجة واحدة في اللغة الإنجليزية، حيث كنت مريضاً جداً ليلة الاختبار، وإذا بأمي توبخني بشدة على تلك الدرجة، وتصرخ في وجهي منفعلة، وتلقي بالتقرير على الأرض وهي تردد: «جهدي وتعبي معك ضاع هباء على الأرض»، وعندها حقيقة شعرت بألم شديد أنساني فرحة تفوقي، ولا أخفيكم سراً فقد ضعفت دافعيتي للمذاكرة والتفوق، وجعلتني أكره اللغة الإنجليزية حتى يومنا هذا !».

هذا الموقف من تلكم الأم يتكرر كثيراً في علاقتنا مع أبنائنا، فنحن نريد من أبنائنا المثالية وفقط - وهذا لن يكون أبداً - وعندها ننظر لهم بعين الذبابة لا النحلة، وشتان شتان بين العينين !.

فالنحلة تمتلك عيناً حساسة لا ترى إلا الأزهار والورود الجميلة، ولا تحط إلا على ما تراه جميلاً ورائعاً، لأنها تدرك رسالتها في الحياة، ولا تجعل بعض الكدرات تشغلها عن أهدافها السامية التي تسعى إليها.

أما الذبابة فمع حساسية عينها ودقتها، والتي يمكن أن تكون أقوى من عين النحلة إلا أنها لا تحط إلا على أحقر الأشياء، فهي تترك كل الأشياء الجميلة وتحط على أقذرها، وهذا مرده إلى ضياع البوصلة نحو الأهداف السامية من وجودها في الحياة، وتذكرنا تلك العين بقول الشاعر:

وترى الشّوك في الورود وتعمى

أن ترى فوقها الندى إكليلاً

نعم، يخطئ أبناؤنا، وتكثر مشكلاتهم مع التقدم في العمر، وهم في ذلك يحتاجون أن ننظر إليهم بعين النحلة، نرى باعتدال ما فيهم من خير، فنمدحه ونشجعه ونعززه، وعندها يشعر أبناؤنا بالرضا والثقة بالنفس ، ويجتهدون أعظم الاجتهاد لزيادة ما فيهم من خير، ونشعر نحن - المربين - بالسعادة لأننا نمضي في الطريق الصحيح نحو تربية جيل منشود، وما ذكرناه سابقاً لا يعني على الإطلاق التغاضي عن أخطاء أبنائنا، ولكن نقيمها وفق طبيعة مرحلتهم العمرية، ونقارنها بإيجابياتهم، ونعلم أن إثابتهم على خير فعلوه يساعدهم كثيراً لتخطي السلبيات التي وقعوا فيها.

ما أجمل أن نتذكر موقف الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم ، مع عبدالله بن عمر ،رضي الله عنه، حين قال له: «نعم الرجل عبدالله لو كان يصلي من الليل» ، فهذه العبارة تمثل منهاجاً لنا في التعامل مع أبنائنا ، فالمربي يذكر إيجابيات من يربيه ويعززها «نعم الرجل»، ثم ينصحه بلطف ويوجهه إلى الخلل المراد معالجته «لو كان يصلي من الليل»، وكانت النتيجة المرجوة عندما نكمل قول الراوي للحديث فيقول:» فكان بعد لا ينام من الليل إلا قليلاً».