جنح عن مسار رحلته عدة مرات وكان الموت قريبا منه

قطع 7620 ميلا ودفعته الأمواج للوراء عدة مرات مئات الكيلومترات

ترجمة - كريم المالكي:

بعد قضائه 209 أيام في البحر أصبح البريطاني "جون بيدين" أول شخص يجدف منفردا وبدون توقف ويعبر المحيط الهادئ انطلاقا من أمريكا الشمالية إلى أستراليا. واستطاع الرجل الخمسيني أن يستجمع كل ما لديه من قوة وطاقة، ليكمل رحلته الحلم بوضع قدميه على الأرض من جديد ويحقق إنجازا عالميا. ورغم أنه تأخر أكثر من شهر عن الموعد الذي حدده قبل الانطلاق إلا أنه حقق ما لم يحققه أي شاب.

وقال المغامر البريطاني البالغ من العمر 53 عاما بعد وصوله اليابسة، بعد 209 أيام قضاها في عرض البحر، أنه بات اليوم يتطلع إلى وجبة طعام وحمام ماء ساخن. وبسبب ما تعرض له من صعوبات وظروف قاهرة، ربما كان وصوله فيه شيء من التسهيلات اللوجستية البسيطة جدا لكنها لا ينبغي أن تطغى على هذا الإنجاز الفذ والذي لا يصدق حيث أصبح أول من يجدف منفردا دون توقف عبر المحيط الهادئ حيث انطلق من البر الرئيسي لأمريكا الشمالية وصولا لأستراليا.

وفي رحلته التي بلغت مسافتها 7620 ميلا تعرض جون إلى الانحراف بعيدا عن مساره وإلى الدفع به للوراء بسبب العواصف التي تضربه خلال إبحاره والتي كانت تجبره على الابتعاد عن خط الرحلة.

صاحب إنجازين

وفي بعض الأحيان كان جون يضطر إلى التجذيف مئات الأميال فقط لاستعادة موقعه الأصلي الذي كان قطعه، وفي لحظات اقترب من الاستسلام وشعر بأنه لن يستطيع إكمال مغامرته. ولحظة وصوله إلى البر كان الرجل الذي صعد بصعوبة إلى الشاطئ في كيرنز في كوينزلاند، أشبه بهيكل عظمي.

ورغم الاستنزاف الذي بدا على جون إلا أنه قدم المشورة إلى أي شخص يفكر في محاولة محاكاة إنجازه قائلا: فقط افعل ذلك مرة واحدة في حياتك وسترى طعم الأشياء. ولكن ما هو أكثر روعة في إنجاز جون، الذي هو والد لابنتين في سن المراهقة من شيفيلد، أنه تمكن من قبل أن يعبر بمفرده المحيط الأطلسي تجديفا أيضا، وبالتالي فإنه صاحب إنجازين.

ظروف عصيبة

في مغامرته الأخيرة انطلق جون، دون ضجة في قاربه الذي طوله 19 قدم في الأول من يونيو الماضي من سان فرانسيسكو. وكان هدفه عبور المحيط الهادئ بحلول منتصف نوفمبر وقضاء أعياد رأس السنة مع زوجته شيريل وابنتيه المراهقتين، لكن الأمور لم تجر بالشكل الذي توقعه بسبب الظروف العصيبة.

لقد كانت الظروف الجوية أسوأ مما هو متوقع، وعانى من الأمواج العاتية التي كانت تغطيه وهو على مقعد التجديف حيث كانت تُغرقْ زورقه الصغير. ولم ينقذ زورقه من الغرق خلال هيجان العواصف يوميا سوى عملية التفريغ المحمومة للمياه، وفي أوقات أخرى كان يجدف في درجات حرارة حارقة.

البحث عن الأصعب

يقول جون: لقد عبرت الأطلسي في 53 يوما قبل ثلاث سنوات ومن ثم ذهبت أبحث عن شيء أكثر صعوبة. ولكني لم أكن أدرك أن المحيط الهادئ سيكون على هذه الدرجة من الصعوبة. لقد جنحت عن مساري عدة مرات وكان الموت قريبا مني جدا.

وكان يفترض أن يقدَمْ الدعم لجون الذي فقد حوالي 12 كيلوغراما من وزنه رغم أنه كان يستهلك بحدود 4000 سعرة حرارية في اليوم، وجاء ذلك من قبل إحدى بناته حينما تعثر قاربه بسبب ظروف جوية قاهرة. وتشير التقديرات إلى أنه أكمل ما يقرب من ثلاثة ملايين ضربة مجداف. ويضيف جون: كانت هناك أوقات أعتقدت بأني لن أتمكن من مواصلة الرحلة.

ويعترف جون: عندما يحصل أن تعيدك الأمواج إلى الخلف مئات الأميال والتي قمت بتجديفها أصلا فإنك تصبح على حافة نسف كل شيء، أو إنك تواصل رحلتك بإصرار استثنائي. وكانت هذه الاوقات قد بلغت ذروتها في الأيام الأخيرة من الرحلة عندما نال مني الإرهاق، ويضيف: رغم أنه لم يتبق سوى 54 ميل لبلوغ الشاطئ، كدت أصل إلى القول بأنه كان علي ألا أفعل ذلك، لأن الرياح والأمواج القوية كانت تجعل إحراز التقدم مستحيلا.

أسباب المغامرة

وبالنسبة لحياة جون فإن يوم العمل العادي لديه كان يقضيه بين تنظيم الفعاليات والمعارض وعاش على مدى العقد الماضي في كندا قرب تورنتو. ولأنه دائم البحث عن تحد جديد فقد تحول من خوض سباقات الماراثون إلى التجديف وهو في الأربعينيات من عمره. فبعد لقائه اثنين من المجدفين في الأطلسي أثناء إحدى إجازاته، أصبح منذ ذلك الحين مفتونا بالتحديات التي تواجه البحارة لمسافات طويلة.

وبدأ جون القراءة عن مغامراتهم وما هي الدوافع التي تقودهم. ومن ثم وضع قائمة بدوافعه وهو يفكر بمحاولته لعبور المحيط الهادئ في سن متقدمة نسبيا، ومن بين ما شملته قائمة الدوافع أنه أراد أن يشعر بأنه على قيد الحياة وأن يكتب شيئا يستحق الذكر على شاخص قبره.

الزورق

لقد صممت شركة "فيليب موريسون" زورق جون، وقد تم بناؤه من مزيج قوي جدا من الرغوة، والكيفلر والألياف الزجاجية. كما أن جميع الأجهزة الكهربائية والملاحية كانت تعمل بالطاقة الشمسية، وكان بإمكان جون البقاء على اتصال عن طريق البريد الإلكتروني والرسائل النصية باستخدام هاتفه الذي يعمل عبر الأقمار الصناعية. وبالنسبة للمسار الذي سلكه جون هو جنوب هاواي، وعن طريق جزر البحر الجنوبي من خلال كورال سي ومن ثم جريت بارير ريف.

وكانت الحماية الوحيدة له من العوامل والقوى الجوية هي مقصورة حجرة النوم. وخلال رحلة العبور كان أكثر ما ينقصه هو النوم، وبالنسبة لجون كان لا ينام أكثر من حوالي ثلاث ساعات كل يوم، وواصل البقاء حيا عن طريق تناول الأطعمة المجففة، حيث أجاب عندما سئل عن أي الأشياء التي يشتاق إليها أكثر من غيرها قائلا: إنها الأسرة أولا، ثم سرير النوم الذي لا يرميك صوب الجدار، إضافة إلى الاستحمام والطعام الطازج وجلسة ما بعد الظهر في نهاية الأسبوع.

عمل شاق ومعاناة

ومن بين أكثر الصعوبات التي واجهته هو الامتداد الكبير للتيارات البحرية والتي تصل إلى مسافة 250 ميلا بالقرب من خط الاستواء. ولتجنب الانجراف على طول الطريق إلى بيرو، كان جون يجدف لعدة أيام متتالية مع قيلولات قليلة لا تتجاوز الواحدة منها الـ 20 دقيقة.

ويضيف جون، الذي كان يعاني من التهاب المفاصل في يديه: لقد عانيت من الكثير من الإصابات الصغيرة مثل التشققات الجلدية والدمامل وعدد من التشنجات، ولكنها جميعا يمكن التخلص منها إذا كنت تعتني بنفسك، كما أنها جزء مما يجري على متن القارب الصغير، علما أن فترة البقاء في القارب هي أصعب شيء سواء عقليا أو جسديا.

ويوضح جون: كان الشخص الوحيد الذي يستطيع تحريك القارب باتجاه الوطن هو أنا، لذا فعلي أن أجبر نفسي على العمل من 13 ألى 14 ساعة في التجديف في اليوم الواحد. ومع ذلك، كانت هناك أيضا لحظات سحرية كمشاهدة تكون الغيوم العاصفة، والتي تتبعها الحيتان والدلافين.

عاشق للبحر

وكانت الخطة الأصلية لجون أن يجدف بدون مساعدة ولكن هذا أحبطه بسبب تقدمه البطيء بسبب الظروف الجوية، ما اضطره إلى تحميل إمدادات إضافية من قارب كان يقف قبالة جزيرة فانواتو. وعند وصوله مرسى كيرنز كان جون يتحرك بين أسطول من السفن التي أبحرت لاستقباله.

وكانت زوجته الكندية شيريل (52 عاما) تتابع عبوره المحيط الهندي بفارغ الصبر حيث تقول: أن جون رجل مدهش، كنت أعرف أنه سيقاتل دائما ليتقدم خطوة إضافية، حتى لو كان يواجه يوما سيئا. ورغم الصعوبات والمواقف العصيبة إلا أنها لم تتوقع من زوجها أن يبقي قدميه على الأرض لفترة طويلة، وتضيف معلقة: يقول بأنه لن يصل إلى أي قارب آخر لمدة من الوقت ولكن أنا متأكدة من أنه وخلال بضعة أسابيع سوف يكون خارجا بحثا عن مغامرة أخرى.

محاولات سابقة

لابد من الإشارة إلى أن هناك تسعة محاولات تجديف ناجحة عبر المحيط الهادئ. ولكن بعضا من تلك المحاولات تم إكمالها على مراحل، في حين غادر آخرون من أمريكا الجنوبية بدلا من أمريكا الشمالية. لقد عبر المغامران جون فيرفاكس وسيلفيا كوك المحيط الهادئ في عام 1971، وغادرا من سان فرانسيسكو وصولا إلى جزيرة هايمان في أستراليا.

وقد أصبحا أول شخصين يعبران المحيط الهادئ باستخدام المجاديف فقط، وأصبحت سيلفيا كوك أول امرأة تعبر المحيط ولكن كانت هناك توقفات طوال الرحلة. وفي عام 1983 انطلق بريطاني آخر، يدعى بيتر بيرد، في رحلة تجديف منفردة عبر المحيط الهادي من سان فرانسيسكو، لكن كان يجب إنقاذه من قبل البحرية الملكية الأسترالية بعد 294 يوما، رغم أنه اقترب من جريت بارير ريف.

وقد توفي أثناء محاولته التجديف من روسيا إلى أمريكا الشمالية في عام 1996. وفي عام 2001 أصبح البريطاني "جم شخدار" أول من جدف وعبر المحيط الهادئ من أمريكا الجنوبية إلى أستراليا منفردا وبدون توقف. ويمكن الآن أن يضاف إلى قائمة شرف المسافات الطويلة في التجديف اسم "جون" ، هذا الرجل الخمسيني الهزيل الجسم الذي أكمل وبشكل لا يصدق رحلتي عبور مزدوجتين هما المحيطين الأطلسي والهادئ.

عن صحيفة الديلي إكسبريس البريطانية