بقلم - أحمد ذيبان:

لم يعرف أحد سر الابتسامة العريضة، التي ظهر فيها رئيس سلطة الانقلاب في مصر عبد الفتاح السيسي، خلال لقائه مع أكثر رؤساء إسرائيل تطرفاً وعنصرية «بنيامين نتنياهو» في نيويورك الأسبوع الماضي، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، لكنها بالتأكيد كانت صورة مهينة للوطنية المصرية، وصادمة لوجدان أي مواطن عربي، حيث بدا الرجل في أسعد حال مبتهجاً، كمن حقق نصراً كاسحاً ! وعلى الأرجح أنه أطلق «نكتة ساذجة»، حاول فيها كسب ود نتنياهو، الذي لم يكترث له وكان يفكر باتجاه آخر.. وقابل ابتسامة السيسي بنظرة ساخرة !

مقابل ابتسامة السيسي مع نتنياهو، طغت على المشهد المصري بعد ذلك ببضعة أيام، صورة أخرى مخزية لسلطة الانقلاب، حيث منعت أسرة المرشد العام السابق لجماعة الإخوان المسلمين «محمد مهدي عاكف» من إقامة مراسم تشييع له، كما منعت إقامة صلاة الغائب عليه في المساجد، حيث توفي الرجل عن عمر يناهز 90 عاماً، أمضى ثلثها خلف القضبان لأسباب سياسيّة، وجاءت وفاته وهو يمضي فترة توقيف على ذمة قضايا عديدة تعسفيّة، لكنه نقل من السجن قبل وفاته إلى مستشفى بعد تدهور حالته الصحيّة، ولم تراعِ سلطة الانقلاب حتى أبسط المعايير الإنسانية والأخلاقية، في تعاملها مع حالة وفاة فضلاً عن انتهاكها القوانين الدوليّة الإنسانيّة !

وهذا نموذج آخر على وحشيّة نظام الانقلاب، وإمعانه في انتهاك حقوق الإنسان والبطش بأي صوت معارض، حتى الذين صفقوا له عندما نفذ الانقلاب غادروا المشهد وبعضهم تمت ملاحقته أو اعتقاله، وخلال ثلاث سنوات تم تجريف الحياة السياسية، وإدخال مصر في أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية خانقة، وكان انضمام النظام «المدفوع الثمن» إلى تحالف دول الحصار ضد قطر سقطة أخرى، وضعت مصر في موقع التبعية لتحالف يقوم على الكراهية والحقد والتخبّط ! وفي هذا السياق يمكن فهم أبعاد «اللقاء الحار» بين السيسي ونتنياهو.. وبالمقابل غاب السيسي وممثلو دول الحصار عن اجتماعات الجمعية العامة، خلال إلقاء أمير قطر الشيخ تميم بن حمد خطابه أمام المنظمة الدوليّة،

 ربما فسرت كلمة السيسي أمام الجمعية العامة خلفيات «ابتسامته» في حضرة نتنياهو، حيث خاطب الإسرائيليين بقوله: «لدينا في مصر تجربة رائعة للسلام معكم على مدار 40 عاماً، وأكرّر.. إنها رائعة.. وندائي للرأي العام في إسرائيل بأن تقفوا خلف قيادتكم السياسية» ! فيما دعا الفلسطينيين إلى التعايش «جنباً إلى جنب» مع الإسرائيليين. وكسر جدار الكراهية من خلال إيجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية.

تخيلوا حرص السيسي على أن يقف الإسرائيليون خلف قيادة نتنياهو، الذي يواجه مشاكل عديدة مع شركائه في الائتلاف الحاكم، وشهدت فترة حكمه توسعاً سرطانياً في الاستيطان، وعمليات تهويد المقدسات في مدينة القدس !

وسط هذا الابتذال السياسي من قبل ما يفترض أنه رئيس أكبر دولة عربية، لا بد أن تقفز إلى الذهن صورة الحصار، الذي يفرضه نظام السيسي على قطاع غزة منذ سنوات، في تناغم واضح مع الحصار الإسرائيلي للقطاع، ولا غرابة في ذلك فقد سبق أن وصفت وسائل إعلام، وسياسيون وكتّاب إسرائيليون نظام السيسي بعد الانقلاب، بأنه «ذخر إستراتيجي» لإسرائيل !

 كانت هناك أوهام من قبل بعض النخب السياسية والثقافية، بأن الرجل قاد «ثورة» بتاريخ 3 يوليو 2013 ضد نظام رئيس ديمقراطي، وجزء كبير من تلك الأوهام مبني على كراهية ومواقف مسبقة، مناهضة للإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي عامة! بل إن بعض من تحمسوا له ذهبوا بسذاجة، إلى درجة اعتباره بأنه «نسخة» عن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر !

لكن تجربة ثلاث سنوات في الحكم مثقلة بالمتاعب للشعب المصري، كشفت أوراق الرجل وفشله وزيف الشعارات التي طرحها، ولم يبقَ معه في المشهد ممن صفقوا له من القوى السياسية، غير الإعلام الغوغائي وعدد قليل من السياسيين الذين يكابرون ! بعد أن استفرد السيسي بالسلطة، وبنى دولة بوليسية غير مسبوقة في تاريخ مصر الحديث.

صحفي وكاتب أردني

Theban100@gmail.com