يروي صاحب هذه القصة معاناته قائلاً:

لقد أحببتها.. وأحببت كل شيء فيها.. جمالها ومرحها وخفة ظلها وابتسامتها التي لا تفارق شفتيها الجميلتين وضحكاتها التي تطلقها حولنا..إنها ابنة عمي.. أحببتها منذ كنت طفلاً وكبرت وكبرت مشاعري معي.. كانت تأتي لتمضي ساعات طويلة معنا.. ألفتنا وألفناها.. تعودت علينا وتعودنا عليها وعلى حضورها ووجودها معنا.. حتى أمي أحبتها كثيراً كما لو أنها ابنتها..

تلك الطفلة الشقية كبرت.. وحبي لها بداخلي تضاعف.. فارق السن بيننا ثلاث سنوات.. كنت أنتظر بفارغ الصبر كي تتخرج في الثانوية.. حين كنت أنا في السنة الثانية في الجامعة.. كنت دوما أنتظر زيارتها لنا في لهفة وشوق.. والغريب أنني لم أعرف في ذلك الوقت مشاعرها تجاهي.. وأنا من جانبي لم أصارحها بذلك.. ولكني كنت أظن بأنها تشعر بحبي لها لكنها لم تجرؤ أن تثير مشاعري لأعترف بحبي لها.. فحياء الأنثى يمنعها من اتخاذ أي خطوة.. وأنا أيضا كنت أخشى بأن تأخذ فكرة سيئة لو صارحتها بمشاعري.. قلت في نفسي لن يطول الوقت للمصارحة والاعتراف وذلك حين أتقدم لخطبتها بعد تخرجها من الثانوية مباشرة.. كلها سنة فقط..؟ ولم العجلة.. وأنا الذي صبرت وكتمت حبي سنوات عديدة..

مضت السنة وكأنها دهر.. الآن قد تخرجت من الثانوية العامة وأنا في السنة الأخيرة في الجامعة.. هنأتها على التخرج.. قلت في داخلي: الآن تحقق حلمي.. سوف أتقدم لخطبتها.. وأصارح أبي وأمي بالأمر.. بالفعل فاتحتهما بالموضوع.. لكن سرعان ما قطع والدي كلامي قائلاً: ولكن أخاك هو من طلبها قبلك.. فضلاً عن أنه يكبرك.. وتخرج.. والآن يعمل بوظيفة جيدة.. فأرى أنه أولى منك بها.. كونه جاهزا ومناسباً لابنة عمك.. أما أنت فالمشوار مازال أمامك.. وحينما تكون جاهزاً اختر الفتاة التي تريدها وترغبها وأنا أول من سيقف معك وبجانبك يا بني.. شعرت بالعالم كله يتهاوى فوق رأسي.. أخي طلبها قبلي.. ماذا تمثل هي له ليكون هو لها ليلتها لم أنم.. تسرب الحزن إليّ.. ونسجت الكآبة خيوطها حولي لا أستطيع أن أتخيلها زوجة لشقيقي.. هذه التي حلمت بها تقاسمني كل حياتي.. صحوت باكراً لعلي أسمع خبر رفضها للارتباط به.. لكن الجواب أتاني أنها سعيدة ومسرورة.. بل وترى أنها محظوظة.. هكذا أخبرتني أختي.. أظلمت الدنيا في عيني.. كرهت كل مظاهر الفرح التي امتلأ بها بيتنا.. لا أستطيع أن أستمع كل يوم عن ترتيبات الفرح.. لا أطيق أن أتحمل زيارته لها ليقابلها ليمضيا ساعات معاً.. قررت لحظتها أن أقدم على بعثة دراسية للدراسات العليا لأفر من كل شيء.. كنت أرغب أن أبعد بعيداً عن الأجواء التي صارت تخنقني.. تم قبولي.. وذهبت لأبلغ أهلي بالخبر.. تضايق أخي وتمنى أن أكون معه في أيامه هذه.. قلت له.

بالتأكيد سوف أحضر حفلة عرسك.. سافرت وأنا في حزن وكدر.. تمنيت بأن أنساها في غمرة الغربة والانشغال بالدراسة.. لكن الغربة كانت تزيد من وهج مشاعري وذكرياتي.. لم أفلح في محاولة اقتلاع صورتها أبداً.. بدت تسكن في أعماقي وخيالي وتفكيري..

أتصل بي والدي ليخبرني بموعد يوم زفاف أخي.. قلت له: خير إن شاء الله.. وقبل يوم الفرح اتصلت لأخبرهم بعدم إمكانية حضوري حفلة الزفاف نظراً لمشكلة حدثت لي في الجامعة.. ولا بد من حلها.. هكذا تعللت كذباً حتى لا أحضر الفرح.. حزن أخي على غيابي.. خاصة أنه ليس لديه أخ سواي..

بعد حفل الزفاف أعد لي أخي مفاجأة.. اتصل بي وقال: سأفاجئك.. أنا وعروستي في بريطانيا لنمضيا هنا شهر العسل.. فأين أنت كي نأتيا إليك.. قلت له: أنا في مدينة أخرى.. لا تسمح ظروفي بأن أن نلتقي.. لكني قريبا سأعود إلى الوطن لزيارة العائلة.. مضى أسبوعان وغادر أخي وعروسه إلى البلاد.. بينما كنت في كل مرة أتحجج بعدم المجيء لزيارتهم.. تارة بالانشغال بالدراسة وتارة بوجود مشكلة.. وهكذا.. مضت سنتان وأنا بعيد عن أهلي.. لم أزرهم قط خلالها.. وكأنني أهرب من أي شيء يتعلق بها.. حتى هاتفني والدي ذات يوم وصوته يحمل نبرات حزن مع بكاء.. حتى فجر لي الخبر.. بأن شقيقي توفي في حادث مروع.. طارت لحظتها كل مشاعر الغيرة والغضب التي كانت تسكنني ليحل مكانها حزن وألم على شقيقي الوحيد.. وشعرت لحظتها بتفاهتي وعجزي.. حرمته من أجمل لحظاته ومن وجودي إلى جانبه في يوم عمره من أجل غيرة مجنونة ومشاعر متطرفة.. حجزت على أقرب طائرة وعدت إلى حيث بلدي.. وما إن وصلت البيت حتى انكببت في حضن أمي وأنا أبكي بشدة على صدرها..

بعد أن فرغنا من الدفن عدت وأنا مهموم ومغتم.. مضت أيام حزينة قاسية.. كنت ومازلت أتمنى أن تعود الأيام إلى الوراء كي أقول له: كم أنت رائع يا أخي.. وكم أحبك.. وددت لو وقفت معه بكل لحظات وأيام فرحته وهو يجهز ويستعد للعرس.. كم كنت تافهاً وأنانياً لأنني ضيعت أجمل لحظاتنا وأجمل أيام عمرنا.. ولم نعشها معاً.

لكن لا ينفع الندم على ما فات.. وها أنا أدفع ثمن غيرة مجنونة ومشاعر متطرفة.