بقلم : جورج علم (كاتب لبناني) ..
تنطوي السنوات العجاف على إحباط عميق يضرب الأمة، فبعد مصادرة الإرادة والقرار، هناك محاولات دؤوبة لمصادرة المستقبل والمصير، حتى الساحات التي تنعم بقسط من الهدوء والاستقرار، تعاني من الارتدادات المتأتيّة من وراء الحدود، والتي بدأت تتحوّل، بعد قمّة هلسنكي، إلى تحديّات ضاغطة تفرض خياراتها كأمر واقع على البيئات السياسيّة - الاجتماعيّة المُنهكة، والتي فقدت الكثير من مقوّمات المناعة التي توفّر الصمود والمواجهة.

حتى لبنان البلد الصغير بجغرافيته، وموارده، قد التحق بالركب، ولم تنفع كل عمليات التجميل التي أخضع لها بعد انتصار جيشه المتواضع على الإرهاب في معركة فجر الجرود. صحيح أن انتخابات نيابيّة قد جرت بعد تسع سنوات من التمديد، والفراغ، ولكن الصحيح أيضاً أنه لم يتمكّن من تشكيل الحكومة رغم مرور ثلاثة أشهر على المجلس النيابي الجديد نتيجة الارتدادات المتأتية من وراء الحدود، والتي تحوّلت إلى تحديات ضاغطة.

واستقبلت بيروت مؤخراً، وبحفاوة بالغة، الموفد الروسي الكسندر لافرونتييف، المكلّف بمعالجة ملف إعادة النازحين السوريين، وتوصل مع المسؤولين إلى تفاهم يسهّل مهمته، وما أن خرج من النافذة حتى دخل السفير السوري لدى لبنان من الباب، وتوجّه مباشرة إلى وزارة الخارجيّة والمغتربين، ليعلن على الأثر: «إذا كان لبنان بحاجة إلى إعادة النازحين، فهناك ممرّ واحد هو أن تتحدّث الحكومة اللبنانية مع نظيرتها السوريّة للتفاهم على خريطة الطريق». وجاء موقف السفير السوري ردّاً على الرئيس سعد الحريري الذي أكّد أنه لن يزور دمشق، ولن يتحدّث إلى حكومة برئاسة بشّار الأسد أيّاً تكن الضغوط والمؤثرات الإقليميّة، والدوليّة.

ويبقى التحدّي الماثل: كيف تشكّل حكومة في لبنان لا تعترف بالحكومة السوريّة، وكيف يمكن التخلّص من عبء النزوح، إذا كان لافرونتييف قد أكدّ في بيروت أن دوره يقتصر كوسيط، ولا بدّ من التنسيق بين بيروت ودمشق لإنضاج هذا الملف؟!».

وقبل التوصّل إلى موقف وطني موحّد للتعاطي مع هذا الملف الضاغط، خرج لبنان الرسمي، والإعلامي بخطاب الشجب والاستنكار لقرار الكنيست القاضي بجعل إسرائيل دولة قوميّة لليهود، وقبل أن يجفّ حبر الاعتراض، فوجئت بيروت بتوجّه صهر الرئيس الأمريكي جاريد كوشنر المكلّف بتنفيذ «صفقة العصر»، والهادف إلى إنهاء دور (الأونروا)، ووضع حدّ لخدماتها، عن طريق التقدّم بمشروع قرار إلى الكونجرس الأمريكي يقضي بإلغاء صفة «اللاجئ» عن الفلسطيني، وتوطين الفلسطينييّن في الدول المُضيفة.

ويأتي هذا الاقتراح كخطوة متقدّمة في تنفيذ «الصفقة» بعد قرار جعل القدس عاصمة أبديّة لإسرائيل، وقرار الكنيست بيهوديتها، الأمر الذي دفع بالمسؤولين اللبنانييّن إلى طرح السؤال: ما هو مصير نصف مليون لاجئ فلسطيني؟، وهل بوسع لبنان أن يدمج هذا العدد الهائل في مجتمعه؟، وما هي التداعيات السلبيّة التي ستترتب على توازناته الطائفيّة الدقيقة؟، ثم أي حكومة ستشكّل إن لم تحمل في جعبتها حلولاً سحريّة لمعالجة هذا التحدّي الجديد؟!.

وبانتظار ما ستحمله الأيام، فتحت الإدارة الأمريكيّة سجالاً حول مصير 15 ألف ضابط وجندي دولي في جنوب لبنان (اليونيفيل)، بمناسبة انعقاد جلسة لمجلس الأمن قبل 31 الجاري للتمديد لمهامها. وتطالب واشنطن بسحب هذه القوات تباعاً، على أن تبدأ العمليّة من البحر أولاً، وحجّتها أن إسرائيل تستكمل بناء الجدار الفاصل مع لبنان، ويفترض بالجيش اللبناني وحده، وبدون أي شريك، أن يفرض الأمن والاستقرار وفق ما ينصّ القرار الدولي رقم 1701، وبالتالي لم تعد الأمم المتحدة بحاجة إلى (اليونيفيل) في الجنوب، ولا إلى التكاليف الباهظة التي تتكبدها لتغطية نفقات هذه القوات، ونشاطاتها المتنوّعة.

أما فيما يتعلّق بالبحر، فإن المخطط الأمريكي واضح، ويقضي بإبعاد (اليونيفيل) عن أي عملية ترسيم للحدود بين لبنان وإسرائيل، في ظلّ الخلاف المحتدم بينهما حول حقول الغاز والنفط في مياه المتوسط. وما تريده واشنطن هو التوصّل إلى اتفاق بين الحكومتين اللبنانية والإسرائيليّة كي تتمكّن بيروت من الاستفادة من الحقول في مياهها الإقليميّة، لكن أين هي الحكومة في لبنان التي تملك هذا القدر الكافي من الجرأة للتصالح مع إسرائيل؟!.

إن مسار السنوات العجاف قد بلغ العاصمة اللبنانية التي تواجه تداعيات مندفعة نحوها من وراء الحدود، لتتحوّل إلى تحديّات تُحاكي المصير والمستقبل، في ظلّ غياب القدرة على المواجهة، والإمكانيّة على الصمود.. وتشريع الأبواب وسيعة أمام التطبيع!.