دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 4/9/2006 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

السيف الدمشقي.. السر الذي حير علماء الغرب

نسجوا حول صناعته الحكايات والأساطير
المصدر : وكالات خارجية


دمشق- خالد الأحمد


شكّل السيف الدمشقي عبر القرون الماضية لغزاً مستعصياً علي الحل في الصناعة الحربية، إذ رويت عنه الأساطير وقيل أن الشعره كانت تنشطر إلي نصفين لدي سقوطها علي نصله، وأنه كان الأساس في انتصار "صلاح الدين الأيوبي" علي الصليبيين في المعارك التي خاضها ضدهم، وأن القادة الأوروبيين كانوا يرسلون التجار إلي دمشق لشراء تلك السيوف المميزة وبأغلي الأثمان للتباهي بها، واستخدامها في المبارزات وفي المعارك الهامة.

وروي أن الاسكندر الأكبر ما كان ليقطع عقدة "غورديان" لو لم يمتلك سيفاً دمشقياً، ورغم محاولة الحرفيين الغربيين تقليده عبر العصور فإن صناعته ظلت لغزاً حتي يومنا هذا.

امتازت السيوف الدمشقية عن غيرها بظاهرة فنية عرفت باسم "جوهر السيف" أو "فرنده"، وللجوهر أسماء منها "الدمشقي" أو "الشامي"، وله أشكال عديدة تظهر علي النصال وتشاهد له تموجات وبقع، ومن أهم خصائص الجوهر الدمشقي أنه يمتاز بأشكال البقعة المحكمة كتموجات رائعة، كما يمتاز بإشراق له مائل إلي البياض مع عدم قابليته للصدأ كسائر أنواع الجوهر، كما يمتاز بلينه ولدانته وثباته فالجوهر الدمشقي إذا طرق نصله وأعيد تحضيره وظهر فيه الجوهر صح فيه قول ابن المعتز:

تري فوق متينه الفرند كأنه

بقية غيم رقّ دون سماء

أو قول أبو الهول الحميري:

وكأن الفرند والجوهر الجا..

ري علي صفحتيه ماء معين

ومن المراحل التي تمر بها صناعة السيف الدمشقي مرحلة "التكفيت" وهي طريقة مازالت معروفة في صناعة المعادن الدمشقية، وأطلق عليها الفرنسيون في مرحلة لاحقة اسم "الدامسكناج" وتعني طريقة تنزيل الذهب والفضة علي نصال السيوف، وتكون بحجم النصل الذي سيُكفّت إلي أن "يزّرق" ثم تحفر فيه خطوط رقيقة بمقص حاد أو أزميل رفيع بالشكل المطلوب حفره، ثم تثبت بالحفر الأسلاك الذهبية أو الفضية "شغل الجفت" ويضغط عليها بخفة إلي أن يتم حشو الحفر الرقيقة.

وهناك عملية "التسقية" ويقال لها سقاية وتسقية التي اشتهرت بها النصال الدمشقية وهي عملية يقصد بها "نشوفة" الصلب أي صلابته والغرض منها جعل الصلب "الفولاذ" أنشف حتي لا يتآكل بسرعة إذا استعمل، وهذه العملية تجري عادة بعد عملية التشكيل والتسوية، ومن السوائل التي يغمر فيها الصلب لتبريده أثناء التسقية، الزئبق والماء البارد المذاب فيه قليل من ملح الطعام أو الزيت مثل زيت الذرة أو زيت القطن أو الماء الساخن.

وهذه الطريقة البسيطة هي التي دوّخت علماء الغرب وحرفييه ودفعتهم لنسج الحكايات والقصص الغريبة عن صناعة السيوف الدمشقية.. وقالت إحدي الروايات أن فولاذ هذه السيوف كان يفتت إلي قطع صغيرة تطعم للدجاج مع الحبوب وبعد حرق الدجاج يجمع المعدن من جديد ويصار إلي صهره وصنعه فيأتي قوياً، وتقول الرواية الهندية إن السيف الصلب هو ذلك الذي يبرد في جسد عبد قوي، وتحدثت الأساطير المصرية عن ضرورة تبريد السيف في جسد رجل نوبي سمين.. وتراوحت الحكايات الأقل دموية بين التوصية بتبريده في بول صبي ذي شعر أحمر، والتوصية بتبريده ببول الماعز، لتنتهي بإعطائه لفارس يمتطي حصانا سريعاً يعدو به في هواء الصحراء إلي أن يبرد كلياً.

وليس غريباً أن يختلق الغرب هذه الروايات الخرافية وهو الذي أذهلته صناعة العرب الفولاذية، وكان الحرفيون في القرون الوسطي قد حاولوا تقليد السيوف العربية بأن استوردوا الفولاذ من الهند، لكنهم باءوا أيضاً بالفشل الذريع، فعندما حاولوا تشكيل المعدن بعد تسخينه كان يميل إلي حالة السيولة، وعندما كانوا يطرقونه كان يتناثر قطعاً صغيرة وبلغوا حالة من اليأس جعلتهم يسلمون بالعجز التام عن صنع ولو سيف عربي واحد، وبقي هذا العمل سراً حتي وقتنا الحاضر!


أين السر

بعد سبعة قرون من الحيرة والاختبارات الفاشلة، نجح عالمان أمريكيان من جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة الأمريكية في التوصل إلي معرفة سر السيف العربي بعد أن بذلا جهداً مضنياً خلال ما لا يقل عن ست سنوات في المختبرات، فما هي ميزات ذلك السيف؟

بدأ العالمان الأمريكيان اختباراتهما بالبحث عن سر المرونة الفائقة في السبائك المعدنية وكيفية تحقيقها في الفولاذ بشكل خاص.

العالم الأول هو "أوليغ شيربي" الذي يعمل أستاذاً في علم المعادن والهندسة في جامعة ستانفورد، والثاني هو "هيفري وادسورث" ويعمل في مختبرات شركة "لوكهيد" للصناعة الحربية في بالوالتو.

والواقع أن المرونة الفائقة تتوفر عادة في عدد ضئيل من السبائك المعدنية، ولها ميزة التكيف مع المتطلبات الصناعية في أخذ الشكل المطلوب دون الحاجة إلي التقطيع واستخدام أسلوب الوصل في ما بين القطع، وهذا النوع من السبائك لا يفقد صلابته بعد تبريده، كما يحافظ علي شكله المصقول ولا تظهر فيه البقع والحبيبات الصغيرة بعد صناعته. ولكن لا تمتلك المعادن جميعها مثل هذه الخاصية، كما أن أهم معدن يستخدم في تلك الصناعة وهو الفولاذ، لا تزال سبيكته الساخنة صعبة التكيف وممتنعة جزئياً عن التشكيل.


اختبار علمي

اتبع "وادسورث وشربي" أسلوباً حقق لهما الغرض المطلوب في فك هذا اللغز، إذ قاما بتقليب المعدن المسّخن وهو في حرارة "2050 فهرنهايت" بصورة مستمرة، وعمدا في تلك الأثناء إلي خفض حرارته إلي درجة "1200 ف" وحافظا علي تلك الحرارة خلال عملية تشكيله.

وهذه العملية تشبه كثيراً عملية صنع الخزف الذي يعجن وهو يلف بصورة مستمرة.

ومع أن مركب كربيد الحديد يتشكل في مثل هذه الحالة، إلا أنه لا يعطي فرصة الاستقرار في صورته الهشة، إذ أن استمرار اللف يفرض عليه البقاء ضمن الحدود الضيقة التي تسمح له فقط بملء الحبيبات الفارغة، وبذلك تتشكل المصنعات الفولاذية من معدن شديد الليونة وهو في حالة السخونة والصلابة الشديدة بعد تبريده.

وبعد أن عرض هذه الإنجاز علي جمهرة من العلماء صاح أحدهم: أن هذا الذي صنعه العالمان هو الفولاذ الدمشقي بالتحديد، وبعد مقارنة المعدنين ببعضهما لوحظ تطابق شديد بينهما مع فارق واحد هو أن المعدن الجديد صنع بواسطة الآلات بينما الأول صنع علي يد الحداد الدمشقي بالطرق العادية.!!.