دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 18/8/2007 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

المتحف الوطني في لندن يسقط في فخ شمشون ودليلة

المصدر : وكالات خارجية

لصوص الفنون باعوا له لوحة مزورة ل روبنز

  • الناشيونال جاليري معرض لخسارة 2.5 مليون استرليني
  • معظم النقاد يشكون في نسب لوحة شمشون ودليله لروبنز
  • التكنولوجيا تزيد من كفاءة لصوص الفنون
  • المتحف يحاول القضاء علي الشائعات ليستطيع بيع اللوحه
  • ماريا دي ميدتشي أم فرنسا تكلف روبنز برسم قصة حياتها

إعداد - باسم توفيق : لم يدرك الناشيونال جاليري في لندن وهو من اعرق المتاحف في العالم وهو ايضا من اهم مراكز تثمين ومعالجة القطع الفنية الشهيرة والنادرة لم يدرك انه وقع في فخ الا منذ شهور قليلة وعلي الرغم من أن مقتنيات الناشيونال جاليري لا تقدر بثمن الا انه قد مر بعدة اخفاقات في بعض صفقاته الفنية لكن لم تكن مروعه الي هذا الحد، فعلي ما يبدو ان لصوص الفنون قد برعوا لدرجة انه لم يعد من السهل كشف حيلهم بعد دخولنا عصر التقنيه العاليه في المحاكاة ومع ان التقنية العالية والتكنولوجيا لا تتدخل في التزوير الفني اذا جاز التعبير لكنها أيضا قد تسهله من خلال وضع الفنان الذي يقلد العمل الأصلي علي الخطوات التحليلية الأولي للعمل المراد تقليده.

تبدأ الحكاية في صيف 1997 حينما اشتري الناشيونال جاليري اعرق متاحف لندن من أحدي سماسرة القطع الفنية والذي يرفضون الأفصاح عن اسمه اشتري لوحه نادرة لفنان عصر النهضة الشهير روبنز وهي لوحته الشهيرة (شمشون ودليلة) وهي تصور الحكايه المشهورة عن شمشون البطل الشهير الذي ذكرت حكايته في الكتاب المقدس في العهد القديم واللوحة تصور دليله حبيبته التي أحبها وهي تقص له شعره لتسلبه قوته، واشتري الناشيونال جاليري هذه اللوحه بثمن يعتبر مرتفعاً نوعا ما فلقد دفع فيها حوالي 2.5 مليون جنيه استرليني لكن بعد أن اشتراها بعدة شهور أثار بعض المحللين المتخصصين في عصر النهضه (وخاصة عصري الرينيسانس والباروك) أثاروا قضية احتمالية أن تكون اللوحة مقلدة وانها ليست اصليه وأيدهم في ذلك الكثيرون بل وتعدي الموضوع ذلك لأن يحاول البعض التاريخ لهذا العمل وعلي اعتبار ان هذا النسخه مقلده فأين ذهبت النسخة الأصلية؟ أو علي الأقل هل كانت النسخة الأصلية موجودة حتي موت روبنز ام لا؟ والبحث عنها في كل سجلات الأعمال الفنية للمتاحف ودور الأعمال الفنية الثمينة في أوروبا في القرنين الماضيين.

وبعد ان حدثت هذه الزوبعة الكبيرة واثارت كل أوساط الفنون التشكيلية في أوربا وامريكا أصبحت هذه المشكلة احدي أشهر القضايا الفنية في وقتنا هذا ووسط كل هذه العاصفة من مؤيدين الرأي القائل بعدم نسبها الي روبنز وانها ليست العمل الأصلي وأنها عمل مقلد لكن هناك ايضا فريق يؤكد انها اللوحة الأصلية التي رسمها روبنز وهب ايضا الناشيونال جاليري بكل طاقته ليدافع عن اصالة اللوحة ونسبها الي روبنز وقد يكون هذا بالطبع بدافع عدم الأعتراف بالخساره الفادحه التي لو صدق القول سوف تكون 2.5 مليون جنيه استرليني وهذا ليس بالمبلغ الهين بالاضافة الي انه لأول مره يقتني هذا الصرح الشامخ بين معروضاته عملا غير اصلي بدون الاعتراف بذلك كما ان الناشيونال جاليري هو هيئه وطنيه وليست خاصه بالرغم من استقلاليته التامه ولا يستطيع عرض اللوحة في مزاد علني للبيع الا بعد القضاء تماما علي الآراء التي تقر بعدم أصالة اللوحة وعدم نسبها الي روبنز.

وقبل ان نحاول ان نعرض للمشكلة ونضع الأحتمالات الممكنة لها يجب ان نعرف بالفنان العظيم الذي ثار حوله كل هذا الجدل والتي تنسب اللوحة اليه ونحاول بشكل مبسط عرض لأسلوبه الفني للوقوف علي الحجج التي يثيرها النقاد ضد هذه اللوحة.

ولد بيتر بول روبنز في 28 من يونيو 1577 في ويستيفليا في بلجيكا وكان والده جان روبنز من اتباع المصلح البروتوستانتي جون كالفن مما دفعهم هو ووالدته ماريا بيبلنكس للانتقال من انتويرب الي كولن واصبح والده مستشارا لدوق البا وعشيقا للدوقه أنا دوقة ساكسونيا وبعد أن مات والده عادت والدته واصطحبته الي انتويرب مره اخري حيث تربي تربيه كاثوليكيه دينيه وتلقي تعليما ادبيا فدرس اللاتينيه والآداب القديمه ودخل تجربته الفنيه الأولي بعد ذلك حيث تتلمذ علي يد فنانين من عصره محلين لكن لهم شهره مثل (ادم فان نورت) و(أوتتا فان فين) كذلك معلم وفنان عبقري هو مارك انتونيو رايموندي والذي كان شديد التأثر بفنان عصر النهضة رافايللو سانزو وبعد أن حصل علي اجازه من كلية القديس لوكا في الفنون سافر في رحلة الي ايطاليا عام 1600 وزار فنيتسيا وتعرف بأعمال فناني عصر النهضه العباقره امثال فيرونيزي وتينتوريتو ثم اكمل رحلته الي مانتوا حيث استقر في بلاط دوق مانتوا فينشينزو الأول والذي ساعده ماديا حيث سافر الي روما مرورا بفلورنسا المدينة التي ولد فيها عصر النهضة والتي انجبت نوابغ هذا العصر امثال دافينشي ومايكل انجلو ودرس في روما أعمال النحت الكلاسيكيه اليونانية والرومانيه وقام بعمل مستنسخات لها (ونلاحظ ان هذا اثر بشكل كبير في اعماله) كما قام بعمل مستنسخات لبعض أعمال كارفاجيو الفنان الأيطالي وفي بلاط دوق مانتوا قام بأعمال فنية عديدة مثل (موت العذراء) المحفوظة في متحف اللوفر في باريس.

وفي عام 1603 ارسل روبنز في بعثة دبلوماسية من قبل دوق مانتوا الي اسبانيا الي بلاط الملك فيليب الثالث وهناك اطلع علي مجموعة لوحات نادرة للفنان رافايللو سانزو والتي جمعها الملك فيليب الثاني كما قام هناك بأعمال فنية شهيره مثل بورتريه لدوق ليرما والمحفوظ في متحف برادو في مدريد.

وبعد ان عاد الي ايطاليا عام 1604 مكث في مانتوا حتي عام 1608 وتنقل خلالها الي جينوا وقام هناك برسم بعض الصور الشخصية البورتيريهات وذهب الي روما مرة اخري حيث قام برسم كتاب توضيحي عن آثار روما كما تم تكليفه بعمل رسومات لتزيين كاتدرائية (تشيزا نوفا) في فيلاتشيللا.

وهكذا كانت زيارته الاولي لإيطاليا هي المعبر الرئيسي في حياته الفنيه والتي ادي به ليكون بحق من مشاهير الجزء الثاني من عصر النهضة وفي عام 1608 اضطر عائدا الي انتويرب بعد ان عرف بمرض والدته لكنه مع الاسف حينما وصل الي انتويرب كانت قد ماتت وصادف في هذه الفترة ان يكون في بلجيكا عصرا من الرخاء واهتماما بالفن وبالتالي لمع اسمه في بلاط الدوق البرت والأرشيدوقه ايزابيلا الحكام الرسميين وقام بشكل رسمي بإعداد استوديو خاص به في انتويرب وظل مقربا من الأرشيدوقة ايزابيلا حتي موتها 1633

وفي عام 1609 تزوج روبنز من ايزابيلا بارنيت ابنة اشهر مواطني انتويرب جان بارنيت وفي العام التالي صمم منزلا خاصا به واستوديو علي الطراز الإيطالي وهذا المنزل الان هو متحف روبنز واصبح له تلاميذ كان لهم دورهم فيما بعد مثل الفنان الشهير انتوني فان دايك وجان برويجل وفي هذه الفتره أنجز اعمالا شهيره مثل لوحته المشهورة (رفع الصليب) واشترك مع صديقه بالتازار موريتويس في ابتداع تقنية جديدة للنسخ والطباعة.

وفي عام 1621 كلف من قبل ملكة فرنسا ماريا دي ميديتشي والملقبة بأم فرنسا كلفته بعمل لوحات لتزيين قصر لوكسومبورج في باريس وتكون موضوعها قصة حياتها وبالفعل قام باللوحه الاولي والمحفوظه الآن في اللوفر ولكن هذا العمل لم يكتمل لأن ماريا دي ميديتشي قام ابنها لويس ال13 بنفيها حيث قضت بقية حياتها وماتت في نفس المنزل الذي تربي فيه روبنز وتعقب هذه المرحلة مرحلة شديدة الأهمية في حياة روبنز حيث يتم ارساله في عدة مهام دبلوماسيه فتهيأ له ان تنتشر أعماله في معظم القصور الحاكمة في اوربا آنذاك فيذهب من اسبانيا الي انجلترا الي هولندا وفي اسبانيا هذه المرة يتعرف بالفنان الأسباني الشهير ديجو فيلاسكيز ثم يذهب الي لندن و يقوم بعمل لوحه رمزيه عن الحرب والسلام (وهي احدي مقتنيات الناشيونال جاليري في لندن ايضا).

وفي العقد الأخير من عمره وفي عام 1630 يتزوج للمره الثانيه من هلين فيورمينت التي تبلغ من العمر 17 عاما وتصبح هيلين في العشر سنوات الأخيره هي الموديل والمثال الحسي في معظم لوحاته مثل لوحة (عيد فينوس) و(الحسان الثلاثة) وينجب منها ثلاثة ابناء وفي عام 1635 يبتاع مقاطعة ريفية بالقرب من اتيورب (شاتيو دي ستين) ويعيش فيها باقي حياته وبالتالي يظهر تاثير الطبيعة والريف في كل لوحاته الأخيره.

وفي 30 مايو 1940 يموت روبنز نتيجه لمرض النقرس تاركا وراءه تراثا فنيا ضخما لا يقدر بثمن.

واذا وضعنا روبنز في ميزان التقييم الفني وجدنا انه من الفنانين الذي يمثلون قمة النضج في المرحلة الثانية من عصر النهضه والذي يطلق عليها اصطلاحيا (عصر الباروك) والذي تظهر فيه المؤثرات الأوربية التي تمثل انتشار عصر النهضه في اوربا كلها بعد الشرارة التي أطلقتها ايطاليا لإحياء مآثر العصر الروماني والفنون القديمة.

وبالتالي يمثل روبنز خصائص هذا العصر بكل ما فيه اولا اتجاهه للتصوير العاري حتي في بعض الموضوعات الدينية والذي يمثل فيها مرحله ما قبل الأنتكاسة التي تسببت في طرح هذا النموذج فيما بعد لكن روبنز يتميز بأن له مقاييس خاصه جدا تميزه عن معظم فناني عصره حتي تلاميذه المقلدين له مثل الفنان أريك فان دايك فنحن نري انه قفز بالمقاييس البشريه نحو النموذج الفلامنكي اذا جاز التعبير وابتعد بشدة عن النموذج الروماني او الإيطالي للجسد البشري اي ببساطه تخلي عن الرشاقة المعهودة واتجه الي النموذج الذي كان أمامه من حيث الامتلاء بل والضخامة في بعض الأحيان بمعني أننا نجد ان نساء روبنز مثلا أكثر امتلاء من ناحية الأرداف والأفخاذ مع الاتجاه لتصغير حجم الصدر قياسا بالجسد كما اننا نجد ايضا امتلاء بل وسمنة من ناحية البطن فاذا اخذت نموذجاً من الموضوعات المتكررة التي صورها روبنز وجدنا ان فينوس عند روبنز مصابة بشيء من السمنة بالمقارنة بفينوس عند دافنشي مثلا فهي شديدة الرشاقه ولا يتجه روبنز الي تنحيف نسائه اذا جاز التعبير الا عندما يصور السيدة العذراء فقط او حينما يمليه عليه الصدق والواقعية بالنسبة للبورتريهات الشخصيه وبخلاف ذلك تكون المقاييس الأنثويه لروبنز اميل للنموذج الممتليء ومن ناحية النموذج الذكوري نجد ان رجال روبنز يتميزون بالنزعه والمقاييس الهرقلية (نسبه الي هيراقليس) فهم يميلون للتكتل والتضخيم العضلي بغض النظر عن التناسق في بعض الأحيان واحيانا يصل الموضوع لحد الوحشية فاذا قارنا النموذج الذكوري لروبنز بالنموذج الروماني مثل تمثال الملك ديفيد لمايكل انجلو مثلا وجدنا التناسق والرشاقة والانسيابية عند انجلو تعني القوه وهو يعكس بذلك المحاكاة للنظرية الأغريقية والرومانية للنموذج الذكوري لكن روبنز يتبني فكرة التكتل العضلي ليعبر عن القوة كما قلنا

وكانت هذه احدي النقاط التي استند عليها المؤيدون لنظرية عدم نسب اللوحه لروبنز فالأشخاص في خلفية اللوحة بعيدين تماما عن مقاييس روبنز ايضا هناك حجه قويه في لوحة شمشون ودليله محل الخلاف وهي ذراع شمشون الملقي علي الأرض من علي حجر دليله بحيث انه بعيد كل البعد عن التناسق فهو طويل بشكل ملفت للنظر مما يجعله لا يتناسب مع حجم جسم شمشون نفسه فإذا تخيلنا ان شمشون سوف يقوم واقفا سوف يكون ذراعه متدليا حتي ركبته وهذا بالطبع ليس خطئا يقع فيه فنان مثل روبنز ولا نستطيع ايضا ان نعتبره تعبيرا عن نظرية التضاؤل النسبي والتي سوف لاتتناسب ايضا مع حجم الذراع.

لكن من رؤينا ان هذه اللوحة هي نسخة بارعة للوحة الأصلية قام بها احد تلاميذ روبنز بعد وفاته بفترة قصيرة وهذا يجعلها تقترب في قيمتها من اللوحة الأصليه لكن يظل السؤال (أين اللوحة الأصلية؟!).