دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 29/9/2012 م , الساعة 1:16 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

في دراسة للأكاديمي والكاتب د. الطيب زين العابدين

الديمقراطية التوافقية طريق الاستقرار في السودان " 1"

الديمقراطية التوافقية طريق الاستقرار في السودان " 1"

الحكومات الديمقراطية:

  • كانت هشّة التكوين وضعيفة الأداء وافتقدت ثقة الشعب
  • لم تُفلح في إرساء قواعد متينة للحكم أو تلبية تطلعات الجنوب
  • فشلت في وضع دستور دائم ولم تحمِ نفسها من العسكريين

الحكومات الانقلابية:

  • انتهجت العمل العسكري حلاًّ لمشكلة الجنوب
  • قادت سياسات أدّت لخسائر في الأرواح والممتلكات وانفصال الجنوب
  • كان عهدها مرتعاً خصباً للفساد والرشوة والمحسوبية واستغلال النفوذ

الخلاصة: تجربة السودان أنه لا يُمكن حكمه بمركزية قابضة ولا باستبداد شمولي

 

الخرطوم - الراية:

ظلّ السودان منذ الاستقلال يبحث لنحو ستين عامًا عن نظام سياسي مستقر دون جدوى. فقد تعاقبت على حكمه ثلاثة أنظمة ديمقراطية لمدّة أحد عشر عامًا فقط وثلاثة أنظمة عسكرية دام حكمها زهاء الأربعين عامًا، وما زالت البلاد تبحث عن دستور دائم ترضى عنه القوى السياسية في المركز والأقاليم ويضع البلاد على طريق الاستقرار والتنمية. كانت الأنظمة الديمقراطية التي اتسم حكمها بالقِصَر في فتراتها الثلاث (1954-58؛ 1965-69؛ 1986-89) هشّة التكوين وضعيفة الأداء، فهي لم تفلح في إرساء قواعد متينة لحكم البلاد تستجيب لتطلعات أهل الجنوب في الحكم اللا مركزي، ولم تبذل جهدًا واضحًا في تنمية المناطق المتخلفة ما أدّى إلى حرب أهلية طويلة مع الجنوب وإلى نزاعات إقليمية وتمرّد مسلح ضدّ المركز، ولم تتمكّن تلك الحكومات من وضع أسس اقتصادية سليمة تُوائم بين التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية حتى تسير البلاد في طريق النهضة والرفاهية؛ بل إنها لم تستطع في فتراتها الثلاث أن تضع دستورًا دائمًا للبلاد بسبب الخلاف بين القوى السياسية على نظام الحكم ومرجعياته الفكرية والأيدولوجية، وأدّى الصراع على السلطة إلى أزمات متلاحقة. وبسبب ضعف الحكومات الديمقراطية وزوال هيبتها لم تنجح حتى في حماية نفسها من مغامرات العسكريين الطامحين في السلطة، ولم يهبّ الشعب الذي انتخبها للدفاع عنها ضدّ الانقلابات العسكرية التي أطاحت بها لأن أداءها لم يكن مقنعًا لعامة الناس. وبالطبع هناك أسباب حقيقية تُفسّرضعف أداء الحكومات الديمقراطية، منها قِصَر المدّة التي حظيت بها في السلطة وحداثة تجربة الحكم الوطني الذي جاء بعد ستين عامًا من الاستعمار البريطاني الذي عزل الشمال تمامًا عن الجنوب وشكّل إدارات أهلية في الأقاليم على أسس قبلية، ولعدم توفر الأغلبية النيابية لحزب واحد في النظام البرلماني جاءت تكوينات كل تلك الحكومات إئتلافية من عدّة أحزاب متنافرة تاريخيًّا وذات توجّهات وطموحات متباينة من خلال ديمقراطية تنافسيّة، الأصل فيها غلبة حزب واحد على بقيّة الأحزاب. وعلى حداثتها نشأت الأحزاب السودانية على أسس طائفية أو إقليميّة أو قبليّة أو عقائديّة تفتقد جميعًا النهج الديمقراطي والثقافة الديقراطية ومؤسّسيّة الأجهزة الحزبيّة، فلم يكن سلوكها أو أداؤها مما يُرسّخ للنظام الديمقراطي أو يجعله جاذبًا للشباب والطبقة الوسطى. ولكن يُحمد للحكومات الديمقراطية أن الانتخابات الخمسة التي أجرتها في عهدها كانت نزيهة وعادلة ومقبولة إلى حدٍّ كبير لكل القوى السياسية؛ وأن سجّلها لم يُشوّه بانتهاكات واضحة لحقوق الإنسان، ولم تسع لتسييس القوات النظامية أو الخدمة المدنية أو الجهاز العدلي أو تستغلّ موارد الدولة لمصالح حزبيّة، وإن حاولت الأحزاب العقائديّة تشكيل خلايا لها داخل الجيش لتستعين بها في الاستيلاء على السلطة، وهو نهج للحكم كان سائدًا في كثير من الدول العربية والإفريقية والآسيوية.

وتعاقبت على حكم البلاد ثلاثة أنظمة عسكرية دام حكمها لنحو أربعين عامًا (1958-64؛ 1969-85؛ 1989-2012)، جاء الحكم العسكري الأول نتيجة لتسليم السلطة لقيادة الجيش في نوفمبر 1958م من رئيس الوزراء المدني (عبدالله خليل) الذي أوشك أن يفقد منصبه بسبب تشكيل تحالف جديد داخل البرلمان كان سيُطيح به، وكان الثاني انقلابًا عسكريًّا من القيادات الوسطى في الجيش المتأثّرة بالتجربة الناصرية ودعوتها للاشتراكية والقومية العربية، وجاء الانقلاب الثالث نتيجة تدبير وتنظيم من الحركة الإسلامية السودانية (الجبهة الإسلاميّة القوميّة) المتأثّرة بفكر الإخوان المسلمين في مصر. وشاركت الأحزاب السياسية بدرجات متفاوتة ولمدد قصيرة في تأييد ودعم الحكومات العسكريّة، ولكن القرار السياسي بقي بيد الانقلابيين العسكريين باستثناء فترة الإنقاذ الأولى إذ سيطرت القيادة المدنية للجبهة الإسلامية على مقاليد السلطة؛ وفي كل الحالات انقلبت العُصبة العسكرية على الأحزاب والقيادات التي جاءت بها للحكم أو دعمتها لتُمسك بالسلطة كاملة وتضعها في يد قائد فرد أبعد عن السلطة حتى من شاركوه من الضباط في صنع الانقلاب. وقد كان المناخ السياسي في عمومه بالدول العربية والإفريقية مواتيًا للحكومات العسكرية والأنظمة الشموليّة نسبة لهشاشة الأحزاب السياسيّة ومنظمات المجتمع المدني، ولضعف أداء الحكومات الديمقراطية التي جاءت عقب الاستقلال، والتي واجهت مشكلات اقتصاديّة وسياسيّة ونزاعات اثنيّة لم تستطع معالجتها بالقدر الكافي.

وقد كان من سمات الأنظمة العسكريّة التي حكمت السودان لأربعة عقود، أنها تبدأ عهدها بتعطيل الدستور وحكم القانون وتحجر على الحرّيات العامّة وتحظر نشاط الأحزاب السياسيّة والاتحادات المهنيّة والنقابات العماليّة المنتخبة وتُقيّد حرّية الصحافة، وتقمع المعارضين المدنيّين عبر القوّة المُفرطة بواسطة أجهزة الأمن والشرطة والمحاكم الاستثنائيّة وتدابير الطوارئ والأحكام العرفيّة والفصل من الخدمة العامّة، ما أدّى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وتعطّل بذلك التطوّر الديمقراطي في البلاد الذي بدأ واعدًا عند مطلع الاستقلال. وعُرف الحكم العسكري بتجييره للقوّات النظاميّة والأجهزة العدليّة والخدمة المدنيّة لمصلحة السلطة العسكريّة القائمة بدلاً من مصلحة البلاد القوميّة، وبإحالته للصالح العام كل من يشتبه فيه من ضباط القوات النظامية أوقيادات الخدمة المدنيّة أو السلك القضائي بأنه معارض للنظام. وبلغت تلك الإجراءات التأمينيّة ذروتها في عهد سلطة الإنقاذ التي توافرت لها كوادر مؤهّلة في شتّى قطاعات الدولة حتى تماهت الحدود بين أجهزة الدولة والحزب الحاكم، وأصبحت سياسة "التمكين" لعناصر الحزب في أجهزة الدولة منهجًا رسميًّا معلنًا على رؤوس الأشهاد. وأدّت تلك السياسات الإقصائيّة إلى ضعف المؤسّسيّة وتدنّي الأداء في أجهزة الدولة بدرجة كبيرة بسبب تقديم الولاء للنظام على الكفاءة، وإلى انتشار الفساد في الخدمة المدنيّة لأن أهل الولاء الذين تسنّموا القيادة كانوا فوق المحاسبة.

وانتهجت جميع الحكومات الانقلابية العمل العسكري حلاًّ لمشكلة الجنوب، على الأقل لفترة من الزمن حتى استيأست منه، حاولت اللجؤء إلى معالجة سياسيّة بنصف قناعة، ما وسّع الشقّة بين أهل الشمال والجنوب وقاد لخسائر هائلة في الأرواح والممتلكات، وأدّى في النهاية إلى انفصال جنوب السودان في يوليو 2011 في عهد الحكم العسكري الأخير؛ وفقد السودان بذلك ثلث مساحته وربع سكّانه وثروات معدنيّة وزراعيّة ومائيّة هائلة. وكانت الفترات العسكرية مرتعًا خصبًا للفساد والرشوة وإهدار المال العام والمحسوبيّة واستغلال النفوذ، والتفاوت المريع بين الصرف على الأجهزة الأمنيّة التي يستند عليها النظام والصرف على التنمية والخدمات الأساسيّة التي يحتاجها المواطن. وضاق الشعب ذرعًا بالحكم العسكري فهبّ ضدّه بقواه المدنيّة والسياسيّة واستطاع الإطاحة به مرّتين، الأولى في ثورة أكتوبر المجيدة ( 1964) ضدّ حكم الرئيس إبراهيم عبود، والثانية في انتفاضة جماهيرية مشهودة في (أبريل 1985) ضدّ حكم الرئيس جعفر نميري. وما زال الحكم العسكري الحالي رغم طول بقائه في السلطة يُعاني من النزاعات العسكريّة الجهويّة والاحتجاجات الجماهيريّة ومن عدم الاستقرار السياسي والإداري، ومن العزلة الإقليمية والمحاصرة الدولية والأزمات الاقتصاديّة. وليس مستبعدًا أن ينتفض الشعب السوداني ضدّ الحكم القائم مرّة ثالثة كما فعل بسابقيه خاصّة أن الربيع العربي ضرب مثلاً في نجاح الثورات الجماهيرية على الحكومات الاستبداديّة. وخلاصة تجربة السودان خلال العقود الستة منذ الاستقلال أنه لا يُمكن أن يحكم بمركزيّة قابضة ولا بحكم استبدادي شمولي، عسكريًّا كان أم مدنيًّا، وكلاهما من سمات الأنظمة العسكرية بحكم هيكلتها التراتبيّة وتدريبها الصارم على طاعة الأوامر العليا دون نقاش أو مراجعة. وخيار السودان الذي لا بدّ منه هو النظام الديمقراطي اللا مركزي الذي يتبنّى تحقيق العدالة الاجتماعية على مستوى الأفراد والأقاليم والمجموعات العرقيّة مهما كانت مشكلات التطبيق التي تعترضه. ولكن كيف للسودان أن يُؤسّس ديمقراطية فيدرالية مستدامة؟ هذا ما سيتم الإجابة عنه في السطور القادمة:

 

مشكلات النظام الديمقراطي في السودان

إذا كان النظام الديمقراطي التعدّدي هو الأفضل لأهل السودان، وإن الحكم العسكري أو الشمولي غير مقبول لديهم بدليل ثورتهم الشعبيّة عليه مرّتين في 1964 وفي 1985 فلماذا إذن لم تدم الديمقراطية أكثر من إحدى عشرة سنة في حين امتدّ الحكم العسكري لأربعين عاماً؟ لا بدّ أن هناك أسبابًا موضوعيّة، سياسيّة واجتماعيّة، أدّت لضعف النظام الديمقراطي ما أغرى المغامرين العسكريّين بالانقلاب عليه دون أن تهبّ الجماهير للدفاع عنه. يُعزى نجاح الانقلاب العسكري في الاستيلاء على السلطة، رغم بعض المحاولات الفاشلة، على حفظ سريّته ودقّة الإعداد له وتجنيد قوّة مؤيّدة له في أسلحة الجيش المختلفة، بالإضافة إلى توافر الظرف السياسي المواتي المتمثل في تدنّي شعبية الحكومة الديمقراطية وغفلتها عن حماية نفسها. أمّا طول بقاء الحكومات العسكرية فلا يعتمد على رضا الجماهير عنها بقدر ما يعتمد على مدى طاعة القوّات النظاميّة في الأمن والشرطة والجيش لها، واستعدادها لإحباط أيّة محاولة عسكريّة أو مدنيّة ضدّها، وكسب قدر من التأييد السياسي في أوساط بعض القطاعات الشعبيّة مثل رجال الإدارة الأهليّة ورجال الأعمال وشيوخ الطرق الصوفية ما يُضفي عليها قدرًا من المسحة الجماهيريّة التي تدّعيها، وتحسين علاقاتها مع بعض القوى الإقليميّة والدوليّة لتكسب تأييدها، وتستعين بها في معالجة مشاكلها الاقتصاديّة والأمنيّة وتدفع عنها ما تتعرّض له من هجوم من الدول الغربية والمنظمات الحقوقية.

ما هي المشكلات الموضوعية التي تسبّبت في ضعف النظام الديمقراطي وسقوطه مرّة بعد أخرى؟

1- طبيعة تكوين السودان باتساعه الجغرافي (مليون ميل مربّع قبل انفصال الجنوب) مع ضعف وسائل الاتصال والمواصلات ووعورة الطرق بين أقاليمه المترامية، وحدوده المصطنعة المتداخلة سكانيًّا مع الجيران، وحداثة جمع كيانه الوطني في بلد واحد على يد الاستعمار التركي (1821م) أوّلاً ثم البريطاني (1898م) ثانيًا بعد أن كان ممالك متفرّقة لقرون عديدة، وتنوّعه العرقي والديني والثقافي في أقاليم متباعدة ذات مستويات اجتماعيّة وثقافيّة متباينة. أدّى كل ذلك لصعوبة حكمه مركزيًّا من عاصمة البلاد أو أن ينفرد بحكمه حزب واحد أو اثنان ولو نالا أغلبيّة برلمانيّة كبيرة. وأدّى التنوّع العرقي والثقافي إلى تمرّد وصراعات ونزاعات مسلّحة في جنوب السودان (1955) وجنوب كردفان والنيل الأزرق ودارفور وشرق السودان، وهي كلها مناطق متخلّفة لم تجد حظًّا مناسبًا في اقتسام الثروة والسلطة. وكانت مشكلة الجنوب هي أكبر مهدّد للديمقراطية والاستقرار السياسي في البلاد ما شجّع العسكر لاستلام السلطة بدعوى دحر التمرّد وإنقاذ البلاد.

2- عدم توافر الشروط والظروف الاجتماعية والثقافية التي يتطلبها نجاح النظام الديمقراطي في السودان بالدرجة الكافية: الوضع الاقتصادي المناسب الذي يُمكّن الدولة من الوفاء بالتزامتها الماليّة الأساسيّة تجاه نفقات وتكلفة أجهزة الدولة المختلفة، وتقديم الخدمات الضروريّة للمواطنين (الصحة والتعليم والماء والغذاء)، وتحقيق قدر معقول من المشروعات التنمويّة والاستثماريّة الذي يُؤدّي إلى نموّ اقتصادي بدرجة مُرضية؛ وحجم مقدّر للطبقة الوسطى من مهنيّين ومنتجين ومثقّفين وعمالة ماهرة لها مصلحة وارتباط باستمرار النظام الديمقراطي؛ وانسجام عام في التكوين الاجتماعي للأمّة يجعل أهدافها القوميّة متقاربة؛ أحزاب سياسيّة ناضجة ترتبط وتُمثّل قطاعات وفئات اجتماعية بعينها؛ وانتشار وقبول في أوساط المجتمع للسلوك الديمقراطي ولاحترام السلطة والالتزام بحكم القانون؛ وتوافر قدر من الوعي السياسي يُمكّن الناخب من تحديد خياره الانتخابي على أساس برنامج للحزب قابل للتنفيذ لا على أساس العرق أو الطائفة أو العلاقات الاجتماعية أو المنفعة الذاتية. ومعظم هذه الشروط غير متوافرة في المجتمع السوداني.

3- طبيعة تكوين الأحزاب السودانيّة وثقافتها السياسيّة جعلتها ضعيفة الالتزام بالنهج الديمقراطي داخل أجهزتها الحزبيّة، وفي قناعتها بحرّية النشاط السياسي للأحزاب المنافسة لها، وبقبولها التداول السلمي للسلطة حسب الفترات الانتخابيّة التي يُحدّدها الدستور، وبشكّها وعدم ثقتها في التزام القوى الأخرى بأسس وقواعد النظام الديمقراطي. فالأحزاب التقليديّة الكبيرة (الأمّة والاتحادّي الديمقراطي) التي حكمت البلاد طيلة الفترات الديمقراطية الثلاث تنحصر بصورة غالبة في شمال السودان المسلم وهي ذات قواعد طائفيّة دينيّة تتبع توجيهات مرشدها الديني دون أن تُطالبه بحقوق ديمقراطية؛ وأحزاب جنوب السودان ذات طبيعة قبليّة تحالفيّة تخضع لرغبات السلاطين والزعماء القبليّين وطموحات قياداتها المتعلمة من أبناء القبيلة وهي تحالفات قصيرة العمر في معظم الأحوال؛ والأحزاب المنافسة للأحزاب التقليدية في الشمال وتحوز على تأييد النخب المتعلمة هي أحزاب عقائدية في المقام الأول (إسلامية أو يسارية) تُؤمن بأيدلوجيّتها الفكريّة وتتعصّب لها أكثر مما تُؤمن بالنظام الديمقراطي وتلتزم به، وقد كانت تقف من وراء دعم الانقلابين العسكريين الثاني والثالث. فأنّى لأحزاب بهذه الطبيعة والتكوين أن تكون سندًا لاستقرار النظام الديمقراطي وديمومته في بلد متخلّف من بلدان العالم الثالث.

ومن نماذج الممارسات غير الديمقراطية في سلوك الأحزاب السودانية منذ الاستقلال: اتفاق زعيمي الختمية والأنصار في عام 1956 على إسقاط حكومة الأزهري بعد شهور من إعلان استقلال البلاد، وقد كان حزب الأزهري (الوطني الاتحادي) هو الوحيد الذي فاز بأغلبيّة برلمانيّة في أول انتخابات في البلاد ولم يتكرّر ذلك في كل الانتخابات الديمقراطية التالية؛ تسليم رئيس وزراء حزب الأمة السلطة لقيادة الجيش في نوفمبر 1958 تفاديًا لسحب الثقة منه في تحالف برلماني جديد؛ تحالف أحزاب الأمّة والاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق على تعديل الدستور وإسقاط عضوية نوّاب الحزب الشيوعي من البرلمان في عام 1965؛ رفض الحكومة تنفيذ حكم المحكمة العليا التي قضت ببطلان إسقاط عضوية الشيوعيين؛ تغيير الحزب الاتحادي لتحالفه مع حزب الأمّة في 1967 للجناح المنشق من ذلك الحزب ثم العودة مرّة أخرى للجناح الآخر وحلّ البرلمان بصورة غير دستوريّة لإجراء انتخابات جديدة تُقوّي موقف الحزب الاتحادي وتُضعف موقف حزب الأمّة المنشق؛ بروز ظاهرة انشقاقات الأحزاب وشراء النوّاب لتأييد هذه الحكومة أو تلك؛ دعم الأحزاب اليسارية (الناصري والبعثي والشيوعي) لانقلاب نميري في 1969؛ الانقلاب العسكري للحزب الشيوعي على نظام نميري في يوليو 1971؛ تأييد الأحزاب الجنوبية لنظام نميري بعد اتفاقية أديس أبابا في 1972 والتي منحتهم حكمًا ذاتيًّا في الجنوب وقدرًا من حرّية العمل السياسي والانتخابي؛ محاولات الجبهة الوطنية (أحزاب الأمّة والاتحادي الديمقراطي وجبهة الميثاق) الانقلاب المسلح على نميري في 1975 وفي 1976؛ مصالحة حزبي الأمّة وجبهة الميثاق لنظام نميري في 1977 دون أن يُؤدّي ذلك إلى تغيير في شموليّة النظام العسكري؛ تكتّل الأحزاب في انتخابات 1986 ضدّ مرشّح الجبهة الإسلامية القوميّة (د. حسن الترابي) في دائرة الصحافة ما أدّى إلى سقوطه؛ انقلاب الجبهة الإسلامية القومية على الديمقراطية الثالثة في يونيو 1989؛ محاولة حزب البعث العربي الانقلاب على نظام الإنقاذ في 1991؛ تعاطي الأحزاب السياسيّة مع نظام الإنقاذ بدرجات متفاوتة خاصّة بعد اتفاقيّة السلام الشامل في 2005 والتي سمحت بقدر لا بأس به من التعدّدية الحزبيّة والحريّة السياسيّة رغم بقاء السيطرة التامّة للحزب الحاكم في شمال البلاد.

4- لعب العامل الخارجي الإقليمي والدولي دوره في تشجيع ودعم الانقلابات العسكريّة والنزاعات المسلّحة، كان على رأس تلك الدول مصر في عهد عبدالناصر وليبيا في عهد القذافي والاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة الأمريكية، كل منها دعم الحكم العسكري المتعاطف معه كما دعم المعارضة العسكريّة ضدّ النظام الذي لا يُواليه.

تدلّ كل هذه الممارسات الحزبيّة القصيرة النظر على ضعف التزام الأحزاب السياسيّة بالنهج الديمقراطي السليم، وبقلّة صبرها على مفارقة كراسي الحكم ولو أدّى ذلك لذهاب النظام الديمقراطي نفسه، واستعدادها للتعاطي مع الأنظمة العسكريّة لو منحتها قدرًا من المشاركة في الحكم. كثير من هذه المشكلات والسلوكيّات لن تزول من المجتمع السوداني في المدى القريب أو المتوسّط، ولذا لا ينبغي انتظار زوال هذه المشكلات بصورة تامّة حتى يُمارس السودان نظامًا ديمقراطيًّا تعدّديًا يقوم على التفويض الانتخابي الحر ويُراعي كل حقوق الإنسان والمرأة والأقليات. فالبديل للديمقراطيّة هو الحكم العسكري أو الشمولي الذي يزيد من تلك المشكلات بدلاً من حلّها أو تخفيفها. ما هي إذن الوسيلة الناجعة لممارسة الديمقراطيّة التعدّديّة الانتخابيّة التي يُمكن أن تتعايش وتتعاطى مع مشكلات المجتمع السوداني المذكورة آنفًا، دون أن يقود ذلك إلى صراع أو استقطاب سياسي حادّ لا تحتمله الأجهزة الدستورية والقانونية الهشّة فيُودي ذلك بالنظام الديمقراطي كلية كما حدث في فترات الديمقراطية الثلاث.

تدعو هذه الورقة إلى تبنّي نظام الديمقراطية التوافقيّة على المدى المتوسّط في السودان (ما بين عشرين إلى ثلاثين سنة) حتى نضمن استمرار الديمقراطية واستقرارها لمدّة مناسبة يعتاد فيها الناس على قبول التداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرّة ونزيهة، وعلى المنافسة السياسيّة المقنّنة دون تطرّف، وعلى ترسيخ السلوك الديمقراطي ونشر الثقافة الديمقراطيّة بين قطاعات المجتمع المختلفة خاصّة الطبقة الوسطى تتمسّك بالديمقراطيّة أكثر من غيرها. ونحسب أن مثل هذه التجربة إذا تمّ الأخذ بها في جدّية وصدق تعمل تدريجيًّا على حلحلة المشكلات التي ساهمت في ضياع النظام الديمقراطي لسنوات طويلة منذ الاستقلال، وتُمهّد الطريق لتأسيس ديمقراطية ناضجة في المستقبل.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .