دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الخميس 28/9/2017 م , الساعة 1:52 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

جدل الأزمة في دارفور يتجدّد

جدل الأزمة في دارفور يتجدّد

بقلم : د. خالد التيجاني النور (كاتب وصحفي سوداني) ..
عاد مُستقبل الأوضاع في دارفور إلى دائرة الأضواء مجدداً على خلفيّة التطوّرات التي رافقت زيارة لافتة للرئيس عمر البشير إلى ولايتَي غرب وجنوب دارفور في الأيام القليلة الفائتة، التي أثارت تفاعلاتها الكثير من الجدل بين الفرقاء السّودانيين حول مردودها، كما فتحت الباب لإعادة قراءة التوجّهات المستجدة للرأي العام في الإقليم التي أحدثتها تبعات عقد ونصف العقد من النزاع الدمويّ الذي خلّف آثاراً إنسانية باهظة.

لم تجد زيارة البشير لدارفور عند الإعلان عنها بادئ الأمر ما يلفت الاهتمام، لكثرة الزيارات التي قام بها من قبل، فضلاً عن دخول أزمة الإقليم حالة كمون مع انحسار وتيرة الاشتباكات القتالية ين القوات الحكومية وحركات المعارضة المسلحة مع غياب أفق واضح لعملية تسوية سياسيّة شاملة فعلية يجري تنفيذها على الأرض، وزاد من الانصراف عن الانشغال بالوضع في دارفور تراجع الاهتمام الدولي الذي كان تحظى به، في وقت أخذت فيه البعثة المشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي لحفظ السلام في الإقليم المعروفة باسم «يوناميد» تقليص وجودها وانتشارها كثاني أكبر بعثة حفظ سلام دولية.

ما لفت الأنظار في هذه الزيارة حجم الحشود الشعبية الكبيرة التي استقبل بها البشير على نحو غير معهود، بالطبع وسط جدل بين مؤيديه باعتبارها تعبيراً عفوياً وتجييره لصالح السلطة، وبين الخصوم السياسيين الذي عدّوها حشوداً مصطنعة لا تعكس شعبية حقيقية للنظام، بيدَ أن مراقبين مستقلين تابعوا الحدث رأوا فيه ما يتجاوز قدرة السلطات على التحشيد، وعزوا دلالة المشهد إلى تزايد الرغبة لدى قطاعات واسعة من المواطنين للتعبير عن الحاجة للسلام والاستقرار وكسر حالة الجمود الراهنة بعد تطاول أمد تداعيات حالة الحرب التي مزقت النسيج الاجتماعي للإقليم.

وفي الواقع فإن الأرضية التي مهدّت لهذا التطورات سبقتها جهود مصالحات نشط فيها قادة المجتمعات المحلية استغرقت وقتاً طويلاً لرتق النسيج الاجتماعي وللبحث عن سبل للخروج من حالة اللاحرب، واللاسلم، ومحاولة وضع أسس العبور إلى واقع جديد، ولعل أبرز هذا المصالحات المجتمعية ما تم في منطقة شطّاية بجنوب دارفور، التي تحمل رمزية خاصة كونها التي بادرت بنقل الفظائع التي تعرّضت لها جراء الحرب لتصبح دليلاً تمّ الاعتماد عليه في توجيه المحكمة الجنائية الدولية لأمر التوقيف بحقّ الرئيس البشير، وفي هذا المنطقة التي يزورها البشير للمرة الأولى تسلّم «وثيقة تصالح» من رموزها كناية عن تجاوز تلك المرحلة بكل تداعياتها، أملاً في صناعة واقع سلام واستقرار، وهي خطوة من شأنها بلا شك أن تخفّف عبئاً، نفسياً على الأقلّ، طالما أرّق البشير.

بيدَ أن الأمور لم تمضِ على هذا النحو الذي أثلج صدور السلطات السودانية، فقد برز التحدي لزيارة البشير على جانب آخر من معسكر النازحين الشهير المعروف باسم «كلمة» الذي يقع داخل مدينة نيالا، كبرى مدن دارفور، وهو معسكر نزوح اكتسب بقاطنيه الذين يعدون بعشرات الآلوف رمزية خاصة ليس فقط بحسبانه دلالة على المأساة الإنسانية للحرب، بل كذلك ظلّ يعتبر «أيقونة المقاومة» الذي يحتفظ فيه عبد الواحد محمد نور، زعيم إحدى فصائل الحركات المسلحة، بنفوذ كبير ظل يستند عليه في رفضه للانخراط في أي تفاوض مع الحكومة السودانية، كما ظلّ المعسكر منيعاً في صده لأي وجود حكومي، لذلك مثّل الإعلان عن زيارة البشير لمعسكر «كلمة» تحدياً كبيراً وبمثابة معركة كسر عظم تحمل الكثير من الدلالات للطرفين.

وكما كان متوقعاً فقد شهد المعسكر وجواره مقاومة للزيارة قادت لاشتباكات كان نتيجتها مصرع خمسة وإصابة نحو ستة وعشرين شخصاً من سكان المعسكر الرافضين للزيارة، وسط جدل حول ملابسات هذه الاشتباكات التي سارعت «يوناميد» إلى تأكيد وقوعها، فيما طالبت الولايات المتحدة بالتحقيق فيما وصفته باستخدام مفرط للقوة في مواجهة المحتجين. ومهما يكن فمن المؤكد أن ما حدث في معسكر «كلمة» ألقى بظلال كثيفة على النتائج «الإيجابية» التي كانت حققتها زيارة البشير، كما أطلقت جدلاً واسعاً بين الفرقاء السودانيين أعاد التأكيد على سيادة حالة الانقسام.

وبين «النجاح» الذي حققته جولة البشير، و»المقاومة» التي وجدها في «كلمة»، تبقى الأسئلة الكبرى قائمة حول مستقبل الوضع في دارفور، فكثرة حشود الاستقبال لا تعني بالضرورة أن الأمور استتبت للسلطات السودانية لدرجة أن تنسى أن أزمة دارفور لا تزال شاخصة في انتظار تسوية سياسية شاملة، كما أن «المواجهات» التي شهدها معسكر النازحين الأشهر لا تعني أن الحرب في الإقليم ستظل باقية أبد الدهر لا تضع أوزارها، وبين الرجاء في رغبة شعبية متزايدة لوضع حدّ لهذا المأزق بكل كلفته الإنسانية، وبين المطالب في تسوية حقيقية شاملة تعيد الحقوق وتحقق العدالة وتحقق الأمن والاستقرار، تقف أزمة دارفور في انتظار حلول جذرية.

لحسن الحظ لا تبدأ هذه الحلول من الصفر، فقد وضعت المبادرة التي تعهدتها قطر بجهود حثيثة ومثابرة ماراثونية حتى أنتجت وثيقة الدوحة للسلام في دارفور أساساً موضوعياً للتسوية الشاملة لا يمكن القفز عليه، ما تحتاجه الأطراف السودانية في الحكومة والمعارضة المسلحة التحلي بالمسؤولية الوطنية والأخلاقية الكافية لوضع حد لمعاناة غمار الناس في الإقليم، وتجاوز المواقف المتعنتة إلى إبداء مرونة ضرورية لاستيعاب بعض التحسينات الموضوعية على الوثيقة بحيث يحقق تطبيقها الكامل الحل النهائي لهذه المأساة الإنسانية المتطاولة.
khalidtigani@gmail.com  

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .