دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 11/11/2017 م , الساعة 12:36 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

دراسة نقدية حول القصيدة الحديثة وعلاقتها بالنصوص القديمة

العلاقة الجدلية بين التراث والشعر المعاصر

«استلهام الشاعر القديم» تعني توظيف شخصيات الشعراء القدامى في بناء القصيدة
التراث ليس جامداً بل حياة متجددة ومستمرة في النسيج الفني
الشاعر الحديث انتقل من محاكاة التراث إلى توظيفه والعيش معه
ماذا حدث للمتنبي حين دخل مقهى في شعب بوان؟
العلاقة الجدلية بين التراث والشعر المعاصر

بقلم - جهاد فاضل: يمثّل كتاب «جدلية التراث.. استلهام الشاعر القديم في القصيدة المعاصرة» للباحث المصري د. إكرامي فتحي حسين خطوة نحو تناول ظاهرة بارزة من ظواهر الشعر العربي الحديث والمعاصر أو جانباً من علاقة القصيدة الحديثة مع أحد روافد تشكيلها المهمة، وهو التراث. هذه الظاهرة هي «استلهام الشاعر القديم» وتعني توظيف شخصيات الشعراء القدامى في بناء القصيدة شكلاً ومضموناً.

ومن ثم كان الوقوف على أبعاد تلك الظاهرة وتجلياتها، حيث لم يكن تعامل الشعراء المعاصرين مع التراث منطلقا من رواية تَعُدُّه تركة جامدة، بل هو حياة متجددة ومستمرة في النسيج الفني.

أحمد سويلم

يعّرج الباحث على شعر عدد وافر من الشعراء المحدثين ليبرهن على أثر شعراء التراث في شعراء الراهن، من هؤلاء الشعراء القدامى يأتي مجنون ليلى أو قيس بن الملوح من أبرز النماذج الشعرية إن لم يكن أبرزها في تجسيد معنى الحب العذري، ومن خلاله يعّبر أحمد سويلم في قصيدته «أحلام قيس بن الملوح» عن عشاق الحب، وما يعانيه من إدبار المحبوبة رغم إقباله، وتمنّي وصلها، وخاصة في ضوء ما تمثله من معان، لذا تتوالى أمنيات الشاعر المتعددة من امتلاك وسائل القرب تمهيداً لتحقيقه:

ليت في العين التي تبرق في الليل وترتاد المسافات القصّية

ليت لي مركب لوح يعبر الماء إلى أرض أمان

ليت عينيك تطلاّن على جرحي القديم

وتعيدان إلى ربوتنا حلم الطفولة

فاروق شوشة

ومن خلال تسجيل أوسع، تناول فاروق شوشة في قصيدته «قيس وليلاه» أحد العوامل الرئيسية في عذابات الحب وهو ابتعاد المحبوبة، ومن ثم سقوط الحب وازدياد ضعفه، ثم كان تمني الشاعر الوصل والاقتراب بديلا عن ذلك الابتعاد، ولكن الواقع يجابهه بمشاق جديدة تقف دون تحقيق ما يريد، من بُعد للسبيل واتساعه وضعف الذات، عندئذ تتضح الصورة السرابية لهذا الحب في نظره، ويتأكد لديه ابتعاد المحبوبة وقسوة الواقع، من ثم يتكئ الشاعر على صورة اليمّ التي جاءت في افتتاحية القصيدة، لكن مع تفاصيل عدة تقدّم مظاهر البعد وعجز كل من الشاعر ومحبوبته:

بيني وبينك هذا اليّم يفصلنا

يراك أبعُد من مرسى حقيقتنا

والليل محتدمُ

يرمي شواظ لظى

وجاحما من سموم لا تفارقنا

وغضبة الموج والإعصار تدهمنا

بعاصف من فجاءات البراكين

الحياة المعاصرة

وتناول الشاعر المعاصر عاملاً آخر من عوامل عشاق الحب متمثلاً في الحياة المعاصرة، وما استجد فيها من تغيرات زادت الأمر تعقيدا. فديمومة بحث الشاعر عن مبتغاه لها مظاهر عديدة من المعاناة التي تدفعه إلى تمني انتفاء عذابات المحبين، ومع عدم تحقق مثل هذه الأمنية المستبعدة، ينصح نفسه أو الآخر بالاستعاضة عن ليلى بغيرها من ملاهي الحياة العصرية:

إن تكن ليلى قُميرا غاب أو غالته غولُ

فعلى السين المغاني تنضوي بمجرات العذارى

فإذا عزّت قضاة، وجفا الشادي الملولُ

فتخيّر أي مقهى لك وكرا أو مطاراً

عبدالوهاب البياتي

ووظف عبدالوهاب البياتي شخصية ديك الجن في القصيدة التي انفرد علمه بعنواها وهي من أبرز قصائده، مصوراً إياه نموذجاً لمعاناة الفنان أو المبدع في ظل واقعه المتأزم، بداية من تعلقه بالشخصية الأسطورية «الجنّية» التي تتمتع برمزية مراوغة، قد تحيلها إلى معنى غواية الإبداع أو غيره، ثم يأتي رصد معاناة ديك الجن من فساد الواقع المحيط به.

رأيتُ ديك الجن في القاع بلا أجفان

على جواد عصره المهزوم

يقاتل الأقزام

مهاجراً في داخل المدينة

من شارع لبيت

على جواد الموت

مدينة الخناجر الخفية

الأبيات السابقة مع ما سيأتي بعد تشير إلى ملمح خاص بهذه القصيدة وهو طبيعتها المكانية الخاصة التي تتمثل في ثلاثة أمكنة: الحديقة السرية، القاع، الفردوس المفقود، أمكنة ذات بعد ديني أسطوري، ترجع إلى المقدس كما استقر في ثقافة الأقدمين ومعتقداتهم، و«القاع» الذي ورد في أحد الأبيات السابقة هو في هذه القصيدة «مكان يستضيء بخلفية أسطورية، غير أن البياتي يعيد صياغة الأسطورة فيغدو العالم السفلي عالم الحياة بشتى أطواره وتقلباته وأحداثه، ثم يتكرر الحديث عن هذه الثنائية: غواية «الجنّية» للشاعر، ومعاناته، لكن مصدر المعاناة يختلف، حيث مصدره هنا طرده من الفردوس.

يقول البياتي :

رأيت ديك الجن من فردوسه مطرود

يصطاد في قفار ليل موته الأسود

والكلمات السود

ملطخاً بالحبر والغبار

وعرق الأسفار

تنبحه الكلاب والأصفار

وحاجب الخليفة

ويعّمق البياتي تجسيد تلك المعاناة التي يشعر بها المبدع من خلال تصوير أسبابها، من فساد استشرى بين أدوات الإصلاح /‏‏ الثوار أنفسهم، إلى رصد أدوات أخرى، لكنها أدوات الطغيان من فكر فاسد ونفاق للسلطة، ثم يقدم تكثيفا موجزاً للقضية عبر سقوط الذات ضعيفة في شرك محكم ومجابهتها بالثورة عليه:

أيتها العدالة الميتة الوهمية /‏‏يا أيها القضاة/‏‏ تلك هي القضية:

وقعتُ في حبائل الجنّية

حمامةً كانت على الخليج

تنوح في الشرك

لؤلؤة غوّاصها هلك

صفرا من الذهب

يدور حول نفسه في العدم الرهيب

محمود درويش

نموذج آخر للمبدع الذي يعاني من واقعه يقدمه محمود درويش في قصيدته:

«ماذا حدث للمتنبي حين دخل مقهى في شعب بوان؟». درويش هنا ينظر إلى المتنبي وفق رؤية تجعله مثالاً للمبدع المحاط بواقع متأزم شديد الثقل. وتتميز الصورة التي رسمها درويش في مزجها بين الجانبين التراثي والمعاصر، وإن كان حضور الجانب الأخير أكثر، هذا المزج يطل علينا بداية من دوال عتبة العنوان التي نجد فيها مفردتي «مقهى /‏‏ شعب بوان» فضلاً عن الميزة الأسطورة التي تغلف الطابع السردي لهذه القصيدة.

تلك المعاناة تتجسد على امتداد النص، بداية من الملامح المتتابعة التي يقدمها درويش للمتنبي المعاصر، ثم ما كان من بناء سردي بارز جسّد الشاعر من خلاله ملمح الاغتراب عبر عناصر منها الحركة «ينقل خطاه مترددا»، والوصف بنوعيه: الداخلي «لا يسأل أحد عن الوقت» والخارجي: «حوله تهدر كل لغات العالم، ثم المكان» المقهى النائي» معه تأتي الشخصية الثانوية «النادل» وأخيرا ينبع الحوار داخلياً عبر مونولوج من جملة واحدة، ومع نهاية القصيدة يستمر السرد، لكن عبر بناء من الأحداث العجائبية التي تجسّد فعل الهروب والعزلة واستمرارية الاغتراب:

أما هو

فيتوحد لقهوته ويتحد مع شظاياه

يرتعش سطح القهوة الداكن

يطقطق الفنجان على صحنه الطائر

ويشقّ عباب القهوة حوت هائل

من أعماق الحوت يأتي مكتوماً صوت «يونس»

«إلّي.. إليّ: يا صاحبي!».

أدونيس

وهناك سمة الخلود التي جسّدها أدونيس في «مرآة لأبي العلاء» رغم استخدام دال «النوم» معادلاً لاستمرارية ذلك الخلوه وديمومته، وهذا الدال إشارة إلى سكونية خاصة وليست موتا، لكنها حياة كامنة تحتاج إلى من يثيرها. وفي ذلك إشارة إلى موت الإنسان المعاصر تجاه التراث «النائم» حيث على الأول استخراج مكامن الأخير:

أذكر أن القبر كان يمشي مقلداً خطاك

وكان حول القبر

صوتك مثل رجّةٍ ينام

في جسد الأيام

أو في جسد الكلام

على سرير الشعر!

عبد العزيز المقالح

وكان للمتنبي النصيب الأوفر من القصائد التي تبنت زاوية الرؤية التسجيلية، وقد نحت هذه القصائد سبيلين: كانت تسجيليتهما في أولاهما وصفية مقدمة ملامح عامة له، وفي الثانية تطورية دارت صورها المسجلة في العصر الراهن، فعبد العزيز المقالح يقدم بعضا من الملامح العامة التي عُرف بها المتنبي قديما وحديثا، بداية من تفرده بين الشعراء، إلى اضطرابه في الحياة ومعاناته فيها، وصولاً إلى صدقه في مشاعره، خاصة تجاه قضايا العروبة القديمة المتجددة:

صادق في هوى نفسه

والبكاء على الحلم العربي

الذي كان

لاشيء أبهى من الشعر

والانخطاف بأفق القصيدة

يُحزنه أن يرى أمة الضاد

تضوى

وأطرافها تتناقص

وفي سياق آخر قد تكون تلك الملامح العامة مؤطرة بإطار خاص ينبع مما سبقها من جوانب أثارتها القصيدة، فعندما يدير الشاعر المعاصر حواراً من الخداع والقتل المحدث مع المتنبي، يقوم الأخير ببيان جانب من حياته يتعلق بهذا الشأن من مثل خبرته بمعرفه الزيف ومعاناته بسببه.

يقول أحمد غراب في قصيدة له عنوانها «مع المتنبي»:

أمتطي الريح حاملاً لقضايا

زمني هودجها على كتفيا

رافعاً جبهتي بيارق رفض

للوجود الذي استحال بغيا

راحلاً، كل بلدةٍ عانقتني

في دم الصبح طاردتني عشيا

ديك الجن الدمشقي

نزار قباني في قصيدته ديك الجن الدمشقي يدور حول محاور ثلاثة: الجانب الانتقامي من تلك المحبوبة الخائنة، وتغلغل تلك المحبوبة في كيان الشاعر مع عدم استطاعته الفكاك منها، وأخيرا تقديم رؤية خاصة للحادثة بوصفها قتلاً للذات لا للمحبوبة.

في قصيدة نزار التسجيل أكثر وضوحاً من التحليل.. وبالمقابل كان مع شوقي يذيع في «حوار مع ديك الجن الحمصي الذي بدأ ببيان شدة حسرة الشاعر القديم على قتل «ورد» عبر تعداد ميزاتها وبيان مكانتها الخاصة.

وعقب تلك المقدمة تنطلق القصيدة في منحاها التحليلي من خلال سؤال مما دفع ديك الجن إلى ذلك، وهو ما تأتي إجابته تأنيبية لا توضيحية:

قتلتُها /‏‏ قتلت ورد

لا لأنها أقل من غزالة

على المدى الممتد

أو لأنها عصفورة

تائهة في الورد

الغيرة القاتلة

ثم يأتي بيان الأسباب الحقيقية لهذا القتل، من خلال توضيح الدافع النفسي المتمثل في الغيرة القاتلة الموصلة إلى الجنون، مع ملاحظة أن مثل هذا التسجيل جاء عبر ضمير المتكلم، ما يعني تقنع الشاعر المعاصر بذات نظيره القديم ليتضح إلى حد بعيد أن ثمة ذوبانا بين الذاتين خلق شخصية جديدة هي مزيج من أنا الشاعر والشخصية التراثية: وهو ما يظهر في الأسطر التالية:

لكنني قتلتها

لأنها تفيض عن حاجتها حلاوة

لأنني ما عدت أستطيع

أن أردّ عن فتونها البهي

كل هذه العيون

دخلتُ في متاهة الجنون

دخلتُ تحت الكوكب الساري

التراث

يأتي هذا الكتاب شكلاً من أشكال التعامل النقدي مع ظاهرة تمثل جانباً من علاقة القصيدة الحديثة مع أحد روافد تشكيلها المهمة وهو التراث، هذه الظاهرة هي «استلهام الشاعر القديم» التي تعني توظيف شخصيات الشعراء والقدامى في بناء القصيدة شكلاً ومضموناً، وهذا الشكل من أشكال الاستلهام في القصيدة المعاصرة يُعّد نموذجاً مميزاً لجدلية التراث والشعر» تلك الجدلية التي تنبثق من علاقة متجذرة كان لا بد من الوقوف على شيء من أبعادها وتجلياتها، لا سيما مع الأهمية الخاصة التي تمتع بها التراث في النسيج الشعري المعاصر، حيث لم يكن تعامل الشعراء المعاصرين معه منطلقا من رؤية تعدّ هذا التراث تركة جامدة، بل هو حياة متجددة ومستمرة في النسيج الفني تزداد حضوراً وتجددا مع إمكانات المبدعين وأدواتهم الفنية القادرة على تحقيق ذلك، بحيث كانت دراسة كينونة التراث في الإبداع الشعري هي «دراسة لحياة الرمز القديم».

القصيدة المعاصرة

على جانب آخر، فإن هناك تطورا تاريخيا لموقف الشعر الحديث من التراث، وصولاً إلى رؤية القصيدة المعاصرة هذا التراث ممثلا في شخصية الشاعر القديم، حيث انتقل الشاعر الحديث من مرحلة محاكاة التراث أو تقليده أو العيش فيه، إلى «توظيف» ذلك التراث والعيش معه وليس فيه، وتطور الموقف هذا يحتاج إلى تحديد الأبعاد المختلفة لهذه الظاهرة بحيث يكون الرصد على قدر كاف من الدقة، مما يقدم رؤية أكثر شمولية واستيعاباً.

وقد حدد المؤلف لنفسه عددا من الأهداف من أبرزها:

- بلورة حضور جانب متميز من التراث وهو شخصية الشعراء القدامى في القصيدة المعاصرة، ومحاولة الوقوف على أبرز جماليات هذا الحضور.

- الاعتماد على النصوص الأجدر بالتحليل لبيان أبعاد الظاهرة مع الاقتصار على القصائد ذات الحضور الكلي للشاعر القديم، وتفعيل الهامش للإشارة إلى القصائد المشابهة والأقل قيمة.

- التعامل مع النص وترك دفة التوجيه له، لا فرض رؤية خارجية عليه.

وقد انتهى المؤلف إلى عدة نتائج منها:

- شدة ارتباط الشعر المعاصر بالدوائر المحيطة به، بدءا بمبدعه وصولاً إلى العالم وقضاياه رغم انطلاقه في هذه القصائد من رؤية ترتد إلى الماضي وتراثه.

- كثافة انشغال الشاعر المعاصر بجوانب الواقع السياسي وهو ما تجلّى في الواقع الراهن والثورة على سلبياته، والسلطة الحاكمة وإشكالية علاقتها بالإبداع، وضعف الأمة ومأساة فلسطين وأزمة الذات العربية وصور العدوان عليها.

كان حضور الشاعر القديم في القصيدة المعاصر متعدد الأوجه، ومن أبرز أوجه ذلك الحضور ما يمكن تسميته بالحضور الإحالي الذي تعددت أشكاله ما بين الحضور الضمائري والحضور العلمي.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .