دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: السبت 2/1/2016 م , الساعة 12:45 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

أعطى القصيدة شكلها النهائي

أبو تمام .. أحد أعمدة الشعر العربي

أبو تمام .. أحد أعمدة الشعر العربي
  • المتنبي تأثر بثلاثمائة بيت من شعره أو سطا عليه
  • لا يمزج شعره بدم قلبه بل بمداد العقل والمنطق والموازين الدقيقة
  • هناك من يعتبره مغاليا في صرامته الكلاسيكية
  • البحتري والمتنبي أقرب منه إلى لواعج القلب البشري
  • أحمد أمين: أبو تمام خرج على الناس بنوع جديد من الشعر
  • يظلمه غازي القصيبي عندما يقول: لم يبق من شعره سوى 20 بيتا

بقلم - جهاد فاضل:

أبو تمام هو بلاشك أحد أعمدة الشعر العربي القديم ويقرن عادة بالمتنبي وبتمليذه البحتري ولا يقل نفوذه عن نفوذ المتنبي ومن الباحثين القدماء من ذكر أن المتنبي مرّ بثلاثمائة بيت من أبياته، أي أنه تأثر بها أو سطا على معانيها، ولعل أهم الآثار التي تركها أبو تمام في الشعر العربي إعطاؤه القصيدة شكلها النهائي، وصورتها التي اعتبرتها العصور بعد ذلك تامه، وأخذت بها وجرت عليها.

ولكن هذا لا يعني أن أبا تمام خال من العيوب. فهو بنظر الكثيرين شاعر صنعة، أو شاعر مغال في صرامته الكلاسيكية، لا يمزج شعره بدم قلبه، بل بمداد العقل والمنطق والموازين الدقيقة. ولكل ذلك تجاوزه الآخرون، وفي طليعتهم البحتري والمتنبي، لأنهم أقرب منه إلى لواعج القلب البشري وهمومه. وقد قرأت مرة للشاعر السعودي الراحل غازي القصيبي أن أبا تمام لم يبق من كل شعره -وهو كثير- سوى عشرين بيتا لاغير.. ولاشك أن القصيبي كان يغالي في ما رأى. فأبو تمام له الكثير من الشعر العظيم الخالد الباقي ما بقيت العربية، ومن المتعذر اختصاره في عشرين بيتا أو أكثر من عشرين.

وقد حملت الأشهر الأخيرة خبرين عن أبي تمام أولهما: صدور ديوانه الكامل عن مؤسسة البابطين في الكويت، والثاني: صدور كتاب في بيروت من منشورات الجمل يحمل عنوان "أخبار أبي تمام، وبأوله رسالة الصولي إلى مزاحم بن فاتك في تأليف أبي تمام وشعره" وهذا الكتاب قديم بالطبع، ولكنه يقدم فائدة لمن يريد التعرف إلى هذا الشاعر وعالمه وتجربته، وكذلك إلى كيفية نظر القدماء إليه. وقد طبع لأول مرة في مصر في الخمسينيات من القرن الماضي ووضع مقدمته العلامة أحمد أمين وقد ذكر فيها:

"إن أبا تمام خرج على الناس بنوع جديد من الشعر أخرجه من رأسه لا من قلبه، فهو يغوص على المعاني العقلية غوصا، ثم يرفعها إلى السماء ويعمل فيها خياله البعيد، ويختار لها الألفاظ، ويُعنى ببديعها وجناسها، فتم له من معانيه العميقة إلى القاع، وخياله المرتفع إلى السماء، وألفاظه المتجانسة المزوقة ، نوع جديد من الشعر لم يسبق إليه. نعم إن كل جزئية من هذه الجزئيات قد سبق إليها. فقد سبقه مسلم بن الوليد بكثرة البديع والجناس في شعره، وسبقه أبو نواس وبشار بكثرة المعاني وغزارتها، ولكن كل هذه الجزئيات ، مبالغ فيها ، لم تجتمع لأحد قبل ما اجتمعت لأبي تمام. وشأن الجديد في كل عصر ، وفي كل عام وفن ، أن يثير جدالا ، وأن يقسم الناس إلى معسكرين: معسكر ينصره ومعسكر يخذله، وأن يشتد القتال بين المعسكرين. وكذلك كان الحال في أبي تمام: فقد أتى بجديد فتنازع العلماء والأدباء فيه فأما من تعصب للقديم كابن الأعرابي، فكرهوا أبا تمام وكرهوا ما جاء به من شعر جديد ، وقالوا : إنه خرج عن عمود الشعر المعروف. وأما من مَدّن ذوقه وعقله ولم يتقيد بقديم ، فقد أعجب بأبي تمام أيما إعجاب، وخاصة من تفلسف ذوقه وعمق فكرة وبعد خياله واستطاع أن يفهمه ، لأن أبا تمام كان يغوص في الغالب أو يرتفع حتى لا يدركه إلا الخاصة" .

وهو حبيب بن أوس الطائي صليبة ، أي خالص النسب ومولده بقرية يقال لها جاسم بينها وبين دمشق ثمانية فراسخ على يمين الطريق إلى طبرية ، كما ورد في معجم البلدان

وفي الكتاب: إن عمارة بن عقيل قدم بغداد فاجتمع الناس إليه وكتبوا شعره وسمعوا منه، وعرضوا عليه الأشعار . فقال له بعضهم: ها هنا شاعر يزعم قوم أنه أشعر الناس طرا ويزعم غيرهم ضد ذلك، فقال أنشدوني له ، فأنشدوه:

غدت تستجير الدمع خوف نوى غد

وغداً قتادا عندها كل مرقد

وأنقذها من غمرة الموت أنه

صدودُ فراقٍ لا صدودُ تعمّدِ

فأجرى لها الإشفاقُ دمعا موردا

من الدم يجري فوق خدّ مورّد

هي البدر يُُغنيها تودّد وجهها

إلى كل من لاقت وإن لم تودّد

ثم قطع المنشد ، فقال عماره: لله دره، لقد تقدم صاحبكم في هذا المعنى جميع من سبقه على كثرة القول فيه، حتى لحّبب الاغتراب، فأنشده:

وطول مقام المرء في الحيّ مخلق

لديباجتيه، فاغتربْ تتجدد

فإني رأيتُ الشمسَ زيدت محبه

إلى الناسِ إذ ليست عليهم بسرمد

فقال عمارة: كمّلْ والله، إن كان الشعر بجودة اللفظ ، وحسن المعاني، واطراد المراد، واستواء الكلام ، فصاحبكم هذا أشعر الناس، وإن كان بغيره فلا أدري!

وقال محمد بن موسى: سمعت علي بن الجهم (وهو شاعر عباسي مشهور) ذكر دعبلا فكفره ولعنه وطعن على أشياء من شعره، وقال: كان يكذب على أبي تمام ويضع عليه الأخبار، ووالله ما كان إليه ولا مقاربا له. وأخذ في وصف أبي تمام فقال له رجل: والله لو كان أبو تمام أخاك ما زاد على مدحك له فقال: إلا يكن أخا بالنسب، فإنه أخ بالأدب والدين والمودة. أما سمعت ما خاطبني به:

إن يكد مطرف الإخاء فإننا

نغدو ونسري في إخاء تالد

أو يختلف ماء الوصال فماؤنا

عذب تحرر من غمام واحد

أو يفترق نسب يؤلف بيننا

أدب أقمناه مقام الوالد

وحدث أبوبكر هارون بن عبدالله المهلبي قال: كنا في حلقة دعبل فجرى ذكر أبي تمام فقال دعبل: كان يتتبع معاني فيأخذها، فقال له رجل في مجلسه: ما من ذاك أعزك الله؟ قال: قلت:

إن امرأ أسدى إليّ بشافع

إليه ويرجو الشكر مني لأحمق

شفيعك فاشكر في الحوائج إنه

يصونك عن مكروهها وهو يخلق

فقال له الرجل: فكيف قال أبو تمام ؟ قال:

فلقيت بين يديك حلو عطائه

ولقيت بين يدي مر سؤاله

وإذا امرؤ أسدى إلى صنيعة

من جاهه، فكأنها من ماله!

فقال الرجل : أحسن والله، فقال: كذبت قبحك الله، فقال:

والله لئن أخذ هذا المعنى وتبعته فما أحسنت، وإن كان أخذه منك. لقد أجاد فصار أولى به منك فغضب دعبل وقام.

قال أبوبكر: وشعر أبي تمام أجود، فهو مبتدئا ومتبعا أحق بالمعنى وقال أبو جعفر المهلبي سمعت محمد بن حازم الباهلي الشاعر يصف أبا تمام ويقدمه في الشعر والعلم والفصاحة ، ويقول : ما سمعت لمتقدم ولا يحدث بمثل ابتدائه في مرثيثة:

أصم بك الناعي وان كان أسمعا

وأصبح مغنى الجود بعدك بلقعا

ولا مثل قوله في الغزل:

ما إن رأى الأقوام شمسا قبلها

أفلت فلم تعقبهم بظلام

لو يقدرون مشوا على وجناتهم

وعيونهم فضلا عن الأقدام

وحدث البحتري قال: كان أول أمري في الشعر، ونباهتي فيه أني صرت إلى أبي تمام وهو بحمص، فعرضت عليه شعري. وكان يجلس فلا يبقى شاعر إلا قصده وعرض عليه شعره. فلما سمع شعري أقبل عليّ وترك سائر الناس. فلما تفرقوا قال: أنت أشعر من أنشدني، فكيف حالك؟ فشكوت خلة، فكتب لي إلى أهل معرة النعمان ، وشهد لي بالحذق، وقال : امتدحهم فصرت إليهم فأكرموني بكتابه ووظفوا لي أربعة آلاف درهم فكانت أول ما أصبته.

وقال أبو محمد عبدالله بن الحسين بن سعد للبحتري وقد اجتمعا في داره بالخلد ببغداد، وعند محمد بن يزيد النحوي، وذكروا معنى تعاوره البحتري وأبو تمام: أنت في هذا أشعر من أبي تمام. فقال كلا والله ذاك الرئيس الأستاذ والله ما أكلت الخبز إلا به. فقال له: محمد بن يزيد: يا أبا الحسن ، تأبى إلا شرفا من جميع جوانبك!

وحدث أبو عبدالله الحسين بن علي قال: قلت للبحتري: أيهما أشعر، أنت أو أبو تمام؟ فقال : جيده خير من جيدي ورديئي خير من رديئه. قال أبوبكر: وقد صدق البحتري في هذا: جيد أبي تمام لا يتعلق به أحد في زمانه ، وربما اختل لفظه قليلا لا معناه، والبحتري لا يختل!

وتحت عنوان "صفة أبي تمام وأخبار أهله" ورد: قال عون بن محمد: كان أبو تمام طوالا وكانت فيه تمتمة يسيرة وكان حلو الكلام فصيحا، كأن لفظة لفظ الأعراب!

وقال أبو جعفر أحمد بن يزيد المهلبي: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: سمعت أبا تمام يقول: أنا كقولي:

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى

ما الحب إلا للحبيب الأول

كم منزل في الأرض يألفه الفتى

وحنينه أبدا لأول منزل

وحكى محمد بن داود هذا الشعر في كتابه وقال: أخذه من قول ابن الطثرية:

أتأني هواها قبل أن أعرف الهوى

فصادف قلبا فارغا فتمكنا

وهو عندي بقول كثير أشبه ومنه أخذه:

إذا وصلتنا خلة لتزيلها

أبينا وقلنا: الحاجبية أول

وقال أبو الغمر الأنصاري إن عمرو بن أبي قطيفة قال: رأيت أبا تمام في النوم فقلت له : لم ابتدأت بقولك:

كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر.

فقال لي: ترك الناس بيتا قبل هذا، إنما قلتُ:

حرام لعين أن تجف لها شفر

وأن تطعم التغميض ما أمتع الدهرُ

كذا فليجلّ..

القصيدة هذه في شرح الخطيب التبريزي مبرووة بالبيتين:

حرام لعيني أن يجفّ لها قطرُ

وأن تطعم التغميض ما بقي العمرُ

كذا فليجلّ الخطبُ وليفدح الأمر

فليس لعينٍ لم يفض ماؤها عُذر

وقال الصولي في معنى البيت الثاني: عابوا عليه قوله "كذا" فقالوا : لا يكون "كذا" إلا في تعظيم السرور، وما علمتُ أن شيئا قيل في تعظيم الفرح إلا قيل في تعظيم الحزن مثله ، وقد جرت البشارة في كلام العرب بما يسوء. قال الله تعالى : (فبشرهم بعذاب أليم) وقوله: "فليجل" يجوز بكسر اللام وفتحها، والكسر أجود (شرح الصولي).

وحدث ابن المتوكل القنطري قال: دخل أبو تمام إلى نصر بن منصور، فأنشده مدحا، فلما بلغ إلى قوله:

أسائل نصر لا تسله، فإنه

أحنّ إلى الأرفاد منك إلى الرفد

قال له نصر: أنا والله أغار على مدحك أن تضعه في غير موضعه، وإن بقيت لاحظرن ذلك إلا على أهله . وأمر له بجائزة سنية وكسوة قال: فمات نصر بعد ذلك.

وقال أحمد بن إسماعيل: حدثني من سأل أبا تمام عن قوله:

غربة تقتدي بغربة قيس بن

زهير والحارث بن مضاض

فقال : أما غربة قيس بن زهير العبسي فمشهورة وهذا الحارث ابن مضاض الجرهمي زوج سيدة من إسماعيل بن إبراهيم ثم تحدث بحديث طويل.

وتحدث الحسن بن وهب قال: قلت لأبي تمام: أفهم المعتصم بالله من شعرك شيئا؟ قال: استعادني ثلاث مرات:

وإن أسمج من تشكو إليه هوى

من كان أحسن شيء عنده العذل

واستحسنه ثم قال لابن أبي داؤود: يا أبا عبدالله ، الطائي بالبصريين أشبه منه بالشاميين!

وروى أبو محمد الخزاعي المكي صاحب "كتاب مكة" عن الأزرقي.

قال: بلغ دعبلا أن أبا تمام هجاه عندما قال قصيدته التي رد فيها على الكميت، وهي:

أفيقي من ملامك يا ظعينا

كفاك اللوم مر الأربعينا

فقال أبو تمام:

نقضنا للحطيئة ألف بيت

... كذاك الحي يغلب ألف ميت

كذلك دعبل يرجو سفاهاً

... وحمقاً أن ينال مدى الكميت

إذا ما الحي ناقض حثو رمس

... فذلكم ابن فاعلة بزيت

فقال دعبل:

يا عجباً من شاعر مفلق

... آباؤه في طيئ تنمي

أنبئته بشتم من جهله

... أمي وما أصبح من همي

فقلت لكن حبذا أمه

... طاهرة زاكيةً علمي

كذبت والله على أمه

... ككذبه أيضاً على أمي

وتضم أخبار أبي تمام أبياتا متقابلة قالها وقال مثلها شعراء سبقوه أو لحقوه.

فإذا قال أبو تمام:

وإذا أراد الله نشر فضيلة

طويت أتاح لها لسان حسود

فقال البحتري:

ولن تستبين الدهر موضع نعمة

إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد

وقال أبو تمام:

شهدت جسيمات العلى وهو غائب

ولو كان أيضا شاهدا كان غائبا

فقال البحتري:

نصحتكم لو كان للنصح سامع

لدى شاهد من موضع الفهم غائب

وقال أبو تمام:

فإن أنا لم يحمدك عني صاغرا

عدوك فاعلم أنني غير حامد

فقال البحتري:

ليواصلنك ذكر شعر سائر

يرويه فيك لحسنه الأعداء

وقال أبو تمام:

تفيض سماحة والمزن مكد

وتقطع والحسام العضب نابي

فقال البحتري:

يتوقدون والكواكب مطفأ

ويقطعن والسيوف نوابي

وحول وفاة أبي تمام ومبلغ سنه يرد في أخباره:

حدثني محمد بن خلف قال : حدثني هارون بن محمد بن عبدالملك قال: لما مات أبو تمام قال الواثق لأبي: قد غمني موت الطائي الشاعر، فقال: طيئ بأجمعها فداء أمير المؤمنين والناس طرّا، ولو جاز أن يتأخر ميت عن أجله. ثم سمع هذا من أمير المؤمنين لما مات.

حدثني محمد بن موسى قال: عني الحسن بن وهب بأبي تمام وكان يكتب لمحمد بن عبدالملك الزيات فولاه بريد الموصل ، فأقام بها سنة ، ومات في جمادى الأولى سنة إحدى وثلاثين ومائتين، ودفن بالموصل.

وحدثني عون بن محمد الكندي قال: قرأت على أبي تمام شيئا من شعره في سنة سبع وعشرين ومائتين وسمعته يقول: مولدي سنة تسعين ومئة. قال: وأخبرني مخلد الموصلي أن أبا تمام مات بالموصل، في المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.

وحدثني أبو سليمان النابلسي قال: قال تمام بن أبي تمام: مولد أبي سنة ثمان وثمانين ومائة ، ومات في سنة إحدى وثلاثين ومائتين.

هذا هو كتاب "أخبار أبي تمام" الذي عرضنا له فيما تقدم ، والكتاب قيم من ناحية أنه يجلي لنا بعض نواح لأبي تمام لم نعرفها فيما قرأنا في غيره من الكتب ومؤلفه الصولي ثقة في ما يرويه قريب عهد بأبي تمام، له بصر بالأدب، وذوق في التقدير.

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .