دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 25/12/2017 م , الساعة 12:50 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

«أهدر جزائري»!

«أهدر جزائري»!

بقلم - جهاد فاضل:

هل آن الأوان لإعلان انهيار اللغة العربية انهياراً تاماً وإحلال اللهجات الشعبيّة الدارجة محلها؟.

يبدو أن الجواب بالإيجاب عند الكثيرين انطلاقاً لا من المؤتمرات والأبحاث التي تكاد تُجمع على أن اللغة العربيّة تتخلف مع الوقت تخلفاً خطيراً، بل من الواقع المرير نفسه. ففي هذا الواقع يُسجل كل يوم من الانتصارات المذهلة للعاميّات ما يشي بأن مصير العربيّة في الآتي من الأيام لن يختلف عن مصير اللغة اللاتينيّة. فلأن هذه الأخيرة تراجعت وفقدت صلتها بالحياة وباتت لغة نخبة وانحصر نفوذها في بعض الدوائر المقفلة، فقد كان من الطبيعي أن تتخطاها العاميات الأوروبيّة وترثها، وهذا هو حال العربية اليوم.

فمعرفتها، أو إجادتها، تكاد أن تقتصر على مثقفين قابلين للحصر، في حين تكتسح العاميات الساحات والأسواق والمجالس وصولاً إلى الفضائيات والجامعات والكتب ومجامع اللغة العربية نفسها. وقد تمثّل أحدث انتصارات العامية في إعلان إحدى الفضائيات الجزائريّة الرسميّة أنها ستبثّ من الآن وصاعداً نشرات الأخبار بالجزائرية الشعبية من أجل أن يفهم الجمهور ما يجري، لا بالفصحى التي لم يعد يفهمها أحد. ومن حدّق جيداً في المظاهر التي رافقت إعلان هذا العرس الثقافي في المحطة الجزائرية شبّهه بالعرس. فالمسؤولون كانوا يمرحون ويضحكون وكأنهم كانوا يعلنون عودة الجزائر إلى ذاتها واسترداد لغتها التي طمستها لغة أو لغات أخرى.

واضح أن هؤلاء المحتفلين بالانتصار أخيراً على العربية هم من الأمازيغ، ولكن فاتهم أن اللهجة الشعبيّة التي سيبثون بها نشرات أخبارهم لن يفهمها كل الأمازيغ ولا كل الجزائريين الآخرين. فالأمازيغية لهجات واحدة، واللهجات بالمئات لا بالعشرات ولم تنجح حتى الساعة محاولات تقنينها في لهجة واحدة، و«الهدر بالجزائري» عبارة إن طرب لها بعض الجزائريين، فإنها لا تحمل للجزائر الهوية اللغوية الجامعة التي تبحث عنها والتي هي بأشدّ الحاجة إليها، هذه الهوية اللغوية الجامعة لم تجدها الجزائر يوماً، ولن تجدها أبداً، إلا في أم اللغات، في العربية، فهي وحدها السبيل إلى الروح الجزائرية وإلى الوجدان الجزائري، وبدونها لن تجد الجزائر نفسها إلا في التيه والالتباس.

ومن الغريب أن تجنح النخب الأمازيغية في الجزائر والشمال الإفريقي اليوم إلى ما رفضته النخب الأمازيغية زمن الاستعمار رفضاً مطلقاً، فرمز هؤلاء الأمازيغ في التاريخ الحديث هو الإمام عبدالحميد بن باديس الذي كان يُعلي راية الإسلام والعروبة على أية راية أخرى والذي أعطى للجزائر هويتها حين قال:

شعبُ الجزائر مسلمٌ

وإلى العروبة ينتسبْ

ومن ينتسب إلى العروبة لا ينتسب إلى أية لغة غير العربية مع الإشارة إلى أن أحداً لا ينهى عن استعمال العامية لا في الخطاب الشفهي ولا في الخطاب المكتوب، ولكن عدم النهي لا يعني التفريط بحقوق اللغة القومية الجامعة التي يفترض أن لا لغة ولا لهجة أخرى تعلو عليها.

وغير عبدالحميد بن باديس دافع أمازيغ بلا حصر عن العربية منهم محمد البشير الإبراهيمي وعثمان سعدي معتبرين أن العربية في الجزائر ليست لغة بل هوية وانتماء قومي وحضاري، وقد لفظ الجزائريون كتّاباً كثيرين منهم كتبوا بالفرنسية مثل كاتب ياسين الذي أنفوا من قراءته مترجماً إلى العربية أو غير مترجم، نظراً لموقف الجزائر الوطني والقومي المعروف، ولكن يبدو أن مياهاً كثيرة قد مرّت في النهر، منها تراجع العربية الذي لا يخفى في كل مكان، ومع هذا التراجع تراجع آخر هو تراجع المشروع النهضوي العربي وغياب أي أفق لتقدم العرب.

وفي مثل هذا المناخ السيء السمعة علينا ألا نستغرب تقدّم العاميات وتراجع أم اللغات، فالتخلف والانهيار القومي حقلان تنمو فيهما العامية أعظم نموّ، وفي ظلهما تتراجع أعظم القيم القوميّة وأجلّها شأناً.

وعلينا أن نحمد الله على أن العربية، في واقع أمرها، في أزمة وجوديّة ولكنها لم تلفظ أنفاسها أبداً بعد، فهي بحاجة إلى أطباء ومعالجين ومؤتمرات ونهوض قومي عارم، لا إلى فضائيات تهزج للتخلي عنها.

ولو سألنا عن أسباب بقاء العربية إلى اليوم، رغم كل ما مرّ عليها من محن الدهر، فما وجدناها إلا في القرآن والإسلام، وفي زعمنا أن في العربية من عوامل النمو والقوة والقدرة ما لا يحتاج إلا إلى اهتمام النخب والمسؤولين على حدّ سواء، ولكن كيف نصل إلى هذا الاهتمام ونحوّله إلى حركة؟ وكيف تعود الجزائر ومعها مصر والعراق وسوريا وسواها من بلاد العرب إلى عالم التأثير والفعل والبحث عن مخارج وآفاق جديدة؟ هذا هو السؤال وبدون مواجهته والانتصار عليه سيصادفنا كل يوم ما لا يُحصى من الدعوات إلى «الهدر بالجزائرية» وبسواها!.

 

كاتب لبناني

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .