دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الثلاثاء 31/10/2006 م , الساعة 3:00 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

صفحات من أدب الرحلات:الإنجليزي يتمتع بامتياز لا يتمتع به أحد في بغداد

المصدر : وكالات خارجية

الأرمن هم الذين يتحكمون في الاقتصاد والتجارة:من مصادفات الحياة أن يصل الرحالة الانجليزي جاكسون إلى بغداد يوم 14 تموز سنة ،1797 ففي مثل هذا اليوم- قبل 161 سنة- قامت ثورة 14 تموز- يوليو سنة 1958 والتي انطلقت من بغداد بقيادة »الزعيم الأوحد« عبدالكريم قاسم.. وها هو جاكسون يروي لنا مشاهداته عن بغداد.

<<<
أستأنفنا حركتنا في الساعة الثانية من صباح يوم الجمعة الرابع عشر من تموز 1797 حتى الساعة الثانية بعد الظهر حين و صلنا بغداد كان النهر شديد الالتواء والتعرج وكان على شكل دائري تقريباً، ومع ذلك فإن المكان الذي بدأنا الحركة منه في الصباح لا يبعد أكثر من ثلاث ساعات مشياً على الأقدام.
بلغنا منزل السيد ج .ل. رينو »وكيل المستر مانستي القنصل البريطاني في البصرة« وكان هذا المنزل يقوم بشكل ملائم جداً على حافة النهر.
إن الإنجليزي يتمتع في بغداد بامتياز لا يتمتع به أحد غيره من رعايا الأمم الأخرى. فهو مهما كان يحمل معه من متاع وبدلاً من أن يقتاد إلى دائرة الجمرك، يسمح له بأن ينقل متاعه إلى المكان الذي سيقيم فيه وإذا ذاك يرسل أحد ضباط الجمرك لفحص متاعه هناك.
وقد تم منح هذا الامتياز بناء على مطالبة المستر مانستي ولصالح أبناء قومه و لذلك سيظل هذا الامتياز على الدوام مفيداً لمصلحة المسافر وملائماً له تماماً.
تقع بغداد على الضفة الشرقية من نهر دجلة وهي مدينة واسعة مكتظة بالسكان تمتد على ضفاف النهر حوالي ثلاثة أميال أما طول أسوارها من حافة النهر فيبلغ زهاء الميلين وتعطيها هذه الأسوار شكل مربع مستطيل ومنازلها وإن كانت مغايرة للمنازل الأوروبية إلا أنها أفضل من منازل البصرةكثيراً وإن كانت على ذات النمط.
ولقد بنيت عدة مبان عامة كالجوامع و المساجد والحمامات من الحجارة وزينت مظاهرها تزييناً حسناً.
وتوجد فيها سوق واسعة مزودة بمختلف أنواع المواد ولكن الأسعار فيها أعلى من أسواق البصرة بصفة عامة.
والأمن هنا يؤلفون التجار الرئيسيين والمعامل المستعملة في بغداد قليلة وهي محدودة لإنتاج المواد ذات الاستعمال المباشر كالأغذية والملابس ومواد السراجة وأدوات الطبخ.
ويبعث الأرمن الموجودون في الموصل عن طريق دجلة بكميات كبيرة من النحاس تنقل في أرماث من الأخشاب التي تشد إلى بعضها بعضاً ومتى وصل الرمث إلى بغداد بيعت أخشابه فيها لأنها جد نادرة هناك.
ومن ثم يشحن النحاس إلى البصرة في سفن شراعية تستغرق رحلتها رواحاً ومجيئاً زهاء ستة أشهر ويكون النحاس على شكل صفائح صغيرة مستديرة يبلغ عرضها زهاء ست بوصات وسمكها نحو بوصتين عند الوسط ثم تأخذ بالرقة حتى الحواشي وهو من نفس النوع الذي يجري صنعه في انجلترا.
إن هذه التجارة التي لم يكن أحد قبلاً يمارسها قد ازدادت بسرعة فغدت تجري بنطاق واسع ذلك لأن بعض السفن التي تبحر من البصرة تكون محملة كلها أحياناً بالنحاس وحده. وأنا مقتنع أن هذه السلعة ستثير بمرور الوقت سخط أصحاب المعامل الانجليزية. فالعمل في هذه البلدان أقل نفقة بكثير مما هو عليه في أوروبا، وهذا مما يساعد الصناع على نقل مصنوعاتهم إلى السوق بسعر أرخص ويهيئ ربحاً أوفر للمشتغلين فيها.
ومع أن بغداد مشيدة بشكل أفضل من أية مدينة أخرى في هذا الجزء من العالم، إلا أنها تختلف كثيراً عن المدن الأوروبية فكل دار فيها يعطي مظهر السجن الذي أتينا على وصفه في البصرة ولكنه يتألف من مواد أفضل هي على الغالب، أجر وأخشاب جيدة من هذه الأرماث التي تطاف في دجلة.
وشوارع بغداد ضيقة جداً ومتربة. وكان علي أن أقطع كل ليلة نصف ميل لأبلغ مرقدي. والمعتاد أن يبدأ النوم في الساعة الحادية عشرة ليلاً وأن أصطحب معي خادماً تركياً يحمل بيده مصباحاً إذ أنه من الخطر جداً التجول في مثل هذا الوقت من دون ضياء. وتكثر العقارب والخنافس والحشرات القارصة الأخرى بأعداد هائلة. وكنت أقتل كل ليلة ما يتراوح بين أربع وخمس عقارب وهي من نوع كبير أسود اللون ولدغاتها قاتلة غالباً.
وفي هذا الفصل من السنة ينام جميع الناس على سطوح المنازل وكنت استمتع دوماً وأنا أشاهد الناس يهبطون من السطوح عند شروق الشمس وهم يحملون أفرشتهم بأيديهم لأنه ما أن تصعد الشمس في الأفق حتى يغدو الجو حاراً بشكل لا يطاق. ولقد علمت فيما بعد أن مجرد التطلع من وراء الجدار القائم على السطح يعتبر مسلكاً محفوفاً بالخطر ذلك لأن الأتراك لا يترددون لحظة واحدة في إطلاق النار على أي شخص يكتشفون أنه كان يتطلع إلى منازلهم.
كانت الدار التي كنت أنام فيها تقع على مقربة من وسط المدينة وهي مرتفعة جداً ولا توجد دار أعلى منها في المدينة عدا منابر المساجد وبناية المقر الحكومي وبعض الدور العائدة إلى الوزراء وكبار الضباط.
ولقد شاهدت بغداد عدداً كبيراً من اللقالق وهي أكبر حجماً وأشد اختلافاً عن اللقالق التي نعرفها في أوروبا فهي تبني أعشاشها على قمم المنائر وأعلى المنازل حيث لا تمس بأذى وتكون شديدة الألفة في النهاية ونظراً لانعدام القنوات التي تزود المدينة بالماء فإن كثيراً من الفقراء يستخدمون لنقل الماء من النهر في ظروف من الجلد يحملها البعض منهم على ظهورهم بينما يحملها البعض الآخر على الحمير والبغال.
وإذ نتجاوز السور في الجهة الغربية من المدينة تبدو الأرض صحراء قاحلة لا أثر للنبات فيها أبداً عدا ضفاف النهر. أما في شمال المدينة فإننا نجد ذات العراء فلا ماء ولا زرع. وتمتد على ضفة النهر من ناحية الشرق بساتين فخمة إلى مسافة أربعة أميال وتقوم هناك دور كثيرة مليء بالسكان وهي من دون أسوار.
على أن المدينة تزود بالفواكه والخضراوات من الجانب المقابل للنهر حيث تكثر البساتين والمزارع. وللباشا وبعض الشخصيات البارزة منازل ريفية في المناطق المجاورة لبغداد ومنها موقع مدينة »سليوسيا« التي بناها سليوكوس أحد جنرالات الاسكندر والذي نجح في حكم قسم من هذه البلاد وماتزال أعداد من النقود التي ضربها تشاهد في بغداد.. وتبلغ قيمة العملة الذهبية منها جنيهين وهي تحمل ذات الرأس البشرية التي تحملها بقية النقود الرومانية ولكن لهذه الرأس لحية طويلة.