دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الأربعاء 3/1/2018 م , الساعة 12:55 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

«الصحافة» و «النقابة» و «إبراهيم نافع» !

«الصحافة» و «النقابة» و «إبراهيم نافع» !

بقلم - سليم عزوز:

عندما مات القطب اليساري «رفعت السعيد»، واحتشد بعض اليساريين ليزيفوا التاريخ من أجل الانتصار له، فكرت في الكتابة عنه، لكني تراجعت!

وعندما مات الصحفي المخضرم، فاحش الموهبة «صلاح عيسي»، وانطلق نفر من الصحفيين يتجاوزون عن تحولات الرجل الأخيرة، فكرت في الكتابة لوضع النقاط فوق الحروف، لكني تراجعت!

وقد ترواح موقفي من الكتابة عن نقيب الصحفيين الأسبق، ورئيس مؤسسة «الأهرام» الصحفية سابقاً، فأقبلت وأدبرت، وتراجعت وأقدمت، وسبب الإقدام بعد التراجع، أنني وجدت تاريخاً يجري العبث به، على نحو إذا سكتنا عليه، صار حقيقة لا تقبل الجدل، كما حدث عندما سكتنا على مقولة أن الجيش حمى الثورة، وأنه أجبر مبارك على التنحي، فأصبحت محاولة تصويبها، مغامرة، لأن الحقيقة هنا تواجه يقيناً كيقين العوام!

تراجعي عن الكتابة في حالة «عيسي» و «السعيد»، والإقدام والإدبار في حالة «إبراهيم نافع»، مردّ ذلك إلى أننا ونحن نواجه الطوفان الذي يوشك أن يعصف بالوطن ومقدراته على يد الحكم العسكري، فإن مثل هذه الكتابة، تعد نوعاً من الترف، أو هكذا أعتقد، ولأن الأمر متعلق بمهنة أنتمي إليها، ونقابة أشرف بعضويتها، فقد هالني أن تصل الوقائع التاريخية إلى الأجيال الجديدة من الصحفيين مشوهة، إلى حد أن يعتبروا العصر الذهبي لهذه النقابة بدأ بتولي إبراهيم نافع منصب النقيب، وأحد الزملاء كتب مادحاً له قائلاً: «الرجل الذي وقف في وجه الدولة» !

وإذ أعلم أن المرء مجبول بالفطرة للنظر إلى الماضي السعيد، وكل ماضي المرء لابد أن يكون سعيداً، وإن كان في الحقيقة بؤساً، فقد كان يمكنني تجاوز ما كتب من هذه الزاوية، كما كان يمكنني تجاوزه إن كان على قاعدة «اذكروا محاسن موتاكم»، والكتابة عن الموتى عاطفية بطبيعتها، لكن المشكلة أن العاطفة امتدت إلى حد تزييف التاريخ، وأدهشني ما قرأته لزميل آخر، نشر صور نقباء سابقين، ووصفهم بـ «العظماء»، ومن بينهم الراحل «صلاح جلال»، النقيب الذي أيد دعوة السادات، بتحويل النقابة إلى ناد، وقال إنه يرحب بذلك، واقترح إلحاق لجنة القيد بالمجلس الأعلى للصحافة، وهو مجلس حكومي كما هو معلوم، ومات النقيب بعدها مباشرة، وواصلت الجماعة الصحفية رفضها لمشروع السادات حتى أسقطته!

ويمكن فهم الطبيعة العاطفية لمن ينعون الموتى، بما جرى عقب وفاة جمال عبد الناصر، حيث جمع رئيس تحرير جريدة «الأخبار» عدداً من المحررين بالجريدة في مكتبه، ليكتب كل واحد منهم مقالاً ينعى فيه «الزعيم الخالد»، وكان أسرعهم «أنيس منصور»، لكن صحفياً شاباً هو «صلاح قبضايا» نظر إليه وهو في دهشة من هذه السيولة على الورق، وهمس له قائلا: «أخشى أن نكتب شيئاً نلام عليه في المستقبل»، فقال له دون أن يتوقف: «كلام ميتين.. كلام ميتين»، فكانت كتابات «أنيس منصور» بعد فترة من هذه الواقعة كلها هجوماً في عبد الناصر وعهده، وتوج هذا بكتابه «عبد الناصر المفترى عليه والمفتري علينا»، كما أن المؤرخ «عبد العظيم رمضان» الذي كتب بتأثير الوفاة مقالاً يحمل عنوان «الأعمدة السبعة لزعامة عبد الناصر»، كتب بعد أن ذهبت السكرة وحلت الفكرة: «هيكل والكهف الناصري» وكانت كتاباته هجوماً في عبد الناصر حتى إنه كان يصنف ضمن خصومه!

ونأتي إلى «إبراهيم نافع» الذي كان فوزه بمنصب نقيب الصحفيين المصريين لأول مرة في سنة 1985، بداية لاحتكار السلطة لهذا المنصب وتخريب النقابة وتجريف المهنة، وإذ ينص القانون على عدم جواز شغل المنصب لأكثر من دورتين، مدة كل دورة عامين، فقد ظل يتناوب المقعد مع «مكرم محمد أحمد» حتى عام 2003، وقد سعى لاستعارة تجربة «أحمد الخواجة» في نقابة المحامين، الذي كان يدفع بالطعن في نتيجة الانتخابات، اعتماداً على ثغرات ارتكبها، فيصدر حكماً قضائياً ببطلان الانتخابات، ليكون غالباً قبل انتهاء الدورة، والدورة الباطلة لا تحسب وظل في موقعه حتى وفاته.

بيد أن «نافع» انتظر إلى حين انتهاء المدة كاملة، فترشح لدورة ثالثة، لكن حكم القضاء الإداري استبعده، على قاعدة أن الدورة إذا اكتملت حسبت دورة صحيحة حتى وإن صدر حكم ببطلانها، وتوقفت الانتخابات إلى حين فصلت الإدارية العليا بتأييد حكم أول درجة، ودفع «نافع» بـ «صلاح منتصر»، الذي كانت ميزته الوحيدة أنه لا رغبة له في الموقع، وأعلن عن هذا لكن اتصالاً رئاسياً به للمرة الثانية أمره بخوضها، بعد فشل الضغوط على «مكرم محمد أحمد»، لأنه مُنع رئاسياً من الترشيح للدورة الثانية له في سنة 1999، فرسخ من فكرة أنه «محلل لنافع»، واعتبر أنها إهانة، رفض على إثرها أن يترشح للدورة الجديدة، وكان «منتصر» هو الخيار الأفضل، لأنه بعد الدورة الأولى سيعزف من تلقاء نفسه عن الترشّح، ليصبح الطريق ممهداً لإبراهيم نافع بعد عامين!

لكن كانت الدعاية السلبية، بأن «صلاح منتصر» من أنصار التطبيع مع إسرائيل لها أثرها البالغ لتسقطه الجمعية العمومية، ويفوز مرشح تيار الاستقلال «جلال عارف»، وكان الراحل «شفيق أحمد علي» كتب في جريدة «العربي» ثلاث مقالات عن الموقف التطبيعي لمنتصر مثلوا ضربة قاتلة أنهت عليه، لتنقطع صلة «إبراهيم نافع» بالنقابة وإلى الأبد، ففي العام التالي كان صفوت الشريف قد تولى رئاسة مجلس الشوري، المالك الصوري للمؤسسات الصحفية القومية، وحرص منذ اليوم الأول، على إبعاد رؤساء المؤسسات القدامى، لأنهم كانوا من رجال الدولة، على نحو لا يمكنه من بسط نفوذه على هذه المؤسسات، وفي رئاسات سابقة كانوا أكثر نفوذاً من رئيس مجلس الشوري، وهذا يفسر دعم «صفوت الشريف» للنقيب المحسوب على المعارضة «جلال عارف»، بعد فوزه في الانتخابات، وتسهيل مهمته في النجاح، وكانت في عهده أكبر إضافات لبدل التدريب، وأكبر أموال دخلت صناديق النقابة المختلفة، وبدون طلب منه!

ولأن قيمة «إبراهيم نافع» لم تكن في ذاته، ولكن لأنه على رأس أكبر «إقطاعية صحفية» وهي مؤسسة «الأهرام»، حيث كان يتصرف فيها تصرف المالك فيما يملك، واستخدم أموالها في ترسيخ موقعه كنقيب للصحفيين، وفي رشوة قيادات السلطة، من أول زوجة رئيس الجمهورية، إلى نجليه، وإلى النائب العام الذي رد ما حصل عليه فيما سمي بـ «هدايا الأهرام»، وكل هذا جعل منه إمبراطوراً لا صحفياً، فيذهب للنائب العام لتقديم بلاغ في أحد الصحفيين كان يصدر بيانات ضده، فيخرج النائب العام لاستقباله، لتتم مخالفة القانون بإلزام الصحفي بدفع كفالة، ثم تجري محاكمته سريعاً، لتكون مدة المحاكمة وصدور حكم أول درجة وحكم محكمة الاستئناف، هو شهر، وعندما عرض الصحفي الراحل «محمود السعدني» عليه الصلح، قال هذا الصحفي كيف أقبل الصلح مع من سجنني في شهر وكأني دجاجة بيضاء، وقد رفضت ذلك مع «مكرم محمد أحمد»، وهو لم يسجنّي؟!

وقال «السعدني»: لأن مكرم منا ويشبهنا، لكنك وقفت تحت منزل «محمد علي كلاي»، وأخذت تلعنه وتتحداه أن ينزل لمواجهتك، لقد نزل و «عجنك»، ثم أردف بعد وصفه للصحفي الشاب بـ «الحمار» وغير هذا من أوصاف مهينة كانت تجري على لسانه دائماً وتعبر عن الاعتزاز والأبوة: «إبراهيم نافع هذا إمبراطور» !

في سبيل أن يبقى نقيباً للصحفيين فقد استخدم أموال «الأهرام» ومقدراتها ومن أول شراء الذمم، وأفسد جدول القيد، بضم سكرتيرات رؤساء التحرير والموظفين الإداريين في المؤسسات الصحفية القومية، فغير من طبيعة الجمعية العمومية للنقابة، ليصبح بعد هذا من السهل الإخضاع، حتى وصل به الحال إلى قوله إن كل صحفي له ثمن، ومن أول أجندة وقلم، ولم يكن هذا صحيحاً ولم يكن كل الصحفيين من الطائفة التي تعامل معها.

وكان طبيعياً، أن يمنع صحفياً معتبراً هو «موسى جندي» من دخول «الأهرام» ويحرمه استخدام تأمين العلاج الخاص بالعاملين في «الأهرام»، حتى مات الرجل مكلوماً، وكان يظن أنه لا يمكن أن يتخذ ضده هذا القرار، لارتباطه سياسيًا بقامات كبيرة في المؤسسة مثل «لطفي الخولي»، وقد شعر بالإهانة فسقط مريضاً، وزرته في المستشفى قبل وفاته، وأخبرني أن زملاء العمر لا يزورونه خوفًا، فقد أذل الحرص أعناق الرجال، لكن شباب الصحفيين آنسوا وحشته في المستشفى حتى وفاته.

انتهت المساحة ولم ينته المقال.

 

كاتب وصحفي مصري

azouz1966@gmail.com

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .