دولة قطر | اتصل بنا | خريطة الموقع | تسجيل الدخول
YouTube Facebook Twitter Rss Instgram
أحدث التطورات
جريدة الرايةجريدة الرايةجريدة الراية
آخر تحديث: الاثنين 11/9/2017 م , الساعة 1:03 صباحاً بالتوقيت المحلي لمدينة الدوحة
شكراً لقد تم ارسال النموذج بنجاح .

بداية الأدب في معرفة أحوال العرب

بداية الأدب في معرفة أحوال العرب

بقلم - جهاد فاضل :

عندما غزا نابليون مصر اصطحب معه علماء فرنسيين من كل جنس لدراسة مصر التي نوى استعمارها، وفي مصر جاب هؤلاء العلماء أرجاءها من البحر إلى أقصى الصعيد يتقصون جغرافيتها ومناخها واقتصادها وكل ما يتصل بها ورفعوا بعد ذلك «تقاريرهم» أو دراساتهم إلى الغازي، وبعدها صورت هذه الدراسات في عدة مجلدات حملت اسم «وصف مصر»، وإلى اليوم ما زالت هذه الدراسات تعتبر وثيقة تاريخية جزيلة الفائدة حول أحوال مصر في تلك المرحلة من تاريخها.

ما أشبه الليلة بالبارحة فما أحوج العرب لا إلى غاز جديد يستقدم معه علماء لدراسة أحوالهم من نواحيها كافة، بل إلى جهة أو مؤسسة عربية ذات توجه نقدي ومستقلة من الأنظمة والسياسة، تُطلق ورشات عمل مؤلفة من علماء ذوي كفاءة عالية، تجوب الأقطار العربية قطراً قطراً وتخرج في النهاية «بوصف» شامل للعرب في واقعهم الراهن. إن مثل هذا العمل وهو علمي وأكاديمي في جوهره يتخذ أسبابه الموجبة من جهلنا كنخب وشعوب لأوضاعنا ومن كون المشاريع العربية للنهضة التي عرفناها في منتصف القرن الماضي سواء الفكرية منها أو السياسية، وقد فشلت أو اعتراها الضعف والوهن حتى باتت بحكم الميتة أو غير الموجودة. وقد لا يختلف اثنان في كون الحاضر والمستقبل معا مهددين تهديداً وجودياً. ولأن أي تفكير في أية «وصفات» جديدة لهذا الوضع يستوجب لا وصف المسكنات بل الأدوية الملائمة تماماً للمرض، لابد من فهم واقع المريض وحقيقة مرضه. ولأن النخب التي ما زالت ترى أن المصير العربي في نهاية المطاف هو مصير واحد ولن تنتصر الجهوية ولا النزعات الانعزالية والطائفية، فإن أول الطريق إلى الخروج من هذا النفق المظلم الذي نمر فيه الآن، هو دراسة ما نحن فيه لا ما نحلم به أو نتوق إليه.

عندما أطلقت الكويت في الخمسينيات من القرن الماضي مجلة (العربي) قالت إن أول أهداف المجلة هو تعريف العرب بعضهم ببعض وقد كان كل عدد من أعدادها ولسنوات طويلة يتضمن بابا ثابتا عنوانه :»اعرف بلادك أيها العربي» وقد كان هذا الباب مفيداً أيما فائدة لأن العرب في تلك الفترة كانوا خارجين من أسوار الاستعمار وجدرانه ومن أسر القرون الوسطى على الخصوص. ولكن مجلة العربي، ولا أي مجلة أخرى، بإمكانها وحدها أن تقوم بعملية التعريف على نحو كامل، فلابد من عمل أكاديمي نقدي يوكل أمره إلى علماء مزودين بالعلوم الحديثة، وقبل كل شيء إلى مؤسسة عربية بعيدة عن الإعلام والسياسة ليظفر العرب بدراسات دقيقة عن أحوال كل قطر من أقطارهم.

لقد مرّت مياه كثيرة في النهر لا منذ نابليون وحسب، بل منذ ربع قرن لا أكثر إلى اليوم لم تعد مصر هي مصر عبدالناصر، ولم تعد سوريا هي سوريا القوتلي وأكرم الحوراني ولا حتى سوريا حافظ الأسد، ولم يعد العراق عراق فيصل الأول ولا الثاني ولا نوري السعيد ولا حتى عراق حزب البعث وصدام حسين، ولا لبنان بشارة الخوري ورياض الصلح وفؤاد شهاب ورشيد كرامي. وتغير المغرب كما تغيرت الأحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية في بلداننا مشرقا ومغربا حتى كأن هذه البلدان لم تعد البلدان التي كنا نعرفها، أو يشبه إلينا أننا نعرفها ، قبل ربع قرن أو أكثر أو يزيد.

وباتت الحاجة ماسة إلى معرفة آنية مباشرة وصحيحة وذلك بأقلام وعيون عربية لا بأقلام وعيون أجنبية لم يكن العرب مهددين وفي حالة ضياع وتراجع وافتقاد إلى الأفق والبوصلة والرجاء كما هم اليوم. إن هذا العمل الذي ندعو إليه هو فعل إيمان بالعرب وبالعروبة قبل كل شيء. لقد آن الأوان للخروج من العشوائية والظنون والتيه والاستسلام ساعة إلى قوى الغيب، أو إلى القدر، وساعة إلى قوى أخرى خارجية أو غير خارجية، وكأن الأمة العربية قد انتهت إلى الأبد ولن تقوم للعرب قائمة بعد اليوم.

هذا العمل ليس مجرد «وصف» للعرب، بل هو بداية الطريق إلى عودتهم إلى التاريخ الذي عمل في خدمتهم ألف سنة ثم خرجوا منه خروجا نهائيا أو شبه نهائي.

كاتب لبناني

جريدة الراية
جريدة الراية
جريدة الراية
لترك تعليقك على موقع جريدة الراية الرجاء إدخال الحقول التالية :
* الاسم :
البريد الإلكتروني :
عنوان التعليق :
500
* التعليق :
tofriend Visual verification * أدخل الرموز :
 
 
جريدة الراية جريدة الراية  
* أساسي
جريدة الراية
شكراً لك
سيتم نشر التعليق بعد تدقيقه من قبل مسؤول النظام .